أرخبيلات ما بعد الحداثة.. رهانات الذات الإنسانية

منطق التفكيك وحفريات المعنى

يشير الباحث بكاي في أرخبيلات الأول إلى منطق التفكيك وحفريات المعنى عند مفكرين وفلاسفة بارزين أمثال: دريدا وإريغاراي وأركون وكريستيفا وليفناس، فيعرض نظرية “الطيفي والشبحي” في تفكيكية دريدا المستندة إلى البحث عن الهوية. كما يبحث في موضوع الإسلام والغرب عنده، فيعرض رهانات الإئتلاف وآفاق الاختلاف في فلسفته التفكيكية عند دراسته الخطاب الإسلامي والتراث. وبحسب دريدا لا يوجد إسلام واحد بقدر ما توجد إسلامات، إذ يتعذر اختزاله في الواحد، حيث هو مسكون بالاختلاف في كل ثقافة وكل قومية تعتنقه، وكذلك الحال بالنسبة للتراث الذي هو ملك لجميع الثقافات والقوميات.

وفي سيرورة الحديث عن علاقة دريدا بالإسلام، يعرض بكاي موقفه الفلسفي والسياسي الإيجابي من حق الشعب الفلسطيني، ومن القضية الفلسطينية، وهو بموقفه هذا لا يتنكر إلى أصله اليهودي، ولا يقف موقف عداء مع اليهود، بقدر ما يسعى إلى تقديم خطاب نقدي لسياسته. وهنا، يبرز وجه التفكيك وفعاليته في معالجة القضايا السياسية، حيث يعمل على تعرية الخطابات السلطوية والسياسات الكولونيالية.

ويشير المؤلف إلى نقد ومغالطة الباحث المصري الراحل عبد الوهاب المسيري في كثير من مسائل فلسفة دريدا، منبهاً إلى خطورة بعض تلك الأفكار، وبخاصة تلك التي تتناول العقيدة والإيمان. كما سلط بكاي الضوء على أبرز مقولات دريدا التفكيكية، ومساراتها التي لا تخلو من الإلتواء سواء في الشكل أو المضمون، ما يجعلها عصية على الفهم والإدراك.

وفي السياق نفسه، ولكن باتجاه آخر، يدرس المؤلف مشروع أركون النقدي، في نقده العقل الإسلامي، ونقده التراث، مشيراً إلى نظرية  أركون (الإسلاموجيا) أو (الإسلاميات التطبيقية) التي تقول: أن العقل الإسلامي تعامل مع الإيديولوجيات والنظريات الفلسفية المختلفة بطريقة مثالية ومتعالية ما سبب قطيعة معرفية مع الإسلاميات الكلاسيكية، وغلق الثغرات المنهجية والتحليلية التي بدت في كتابات المستشرقين، التي ظلت خطابات غربية حول الإسلام أو حتى غريبة عنه.

أرخبيلات ما بعد الحداثة.. رهانات الذات الإنسانية
أرخبيلات ما بعد الحداثة.. رهانات الذات الإنسانية

في مدار السرديات السياسية

ويجول بكاي في أرخبيلات الثاني في مدار السرديات السياسية، ويبدأ من كتابات الفيلسوفة الألمانية – الأميركية حنه أرندت الفلسفية والسياسية وموقفها غير التقليدي تجاه المسألة اليهودية، وهويتها اليهودية، من خلال استخدامها لمفهوم “الوعي المنبوذ”، وذلك في مرحلة الشباب، لكننا نجدها بعد الحرب العالمية الثانية تلتحق بالأنشطة الصهيونية بعيد صعود النازيين إلى السلطة، وبدت نظرتها إلى الصهيونية كطريقة أصيلة وفعَّالة للكفاح ضد العداء للسامية، وكجزء من مفهوم أوسع للسياسة اليهودية.

وفي مجال الحريات رأى بكاي أن الحرية عند أرندت ترتبط بالذات وتجلياتها من خلال الأفعال وتبادل الرؤى والمواقف، “إذ لا يمكن تشكيل فكرة عن السياسة من دون أفعال تأسيسية وأقوال تداولية تعبّر كلها عن المكان العمومي الذي تتفاعل فيه التجارب البشرية”. ومن جهة نظريتها السياسية، تؤكد أرندت أن اختلاف وتميّز الأقليات ينبغي تشجيعه من طرف الكل واحترامه، وليس التوقف عند وصف تلك الأقليات بأنها فئات فريدة من نوعها.

وفي الشرط الإنساني تعتبر أرندت أن العمل والفعل لا يتحققا في الصمت بل في الحركة والكلام. وهنا يتضح موقفها من أن الإنسانية متعددة وجماعية، مما يعني أن كل واحد له طابعه المتميز والمختلف. هذا الطابع يؤدي إلى اختلاف وتعارض في وجهات النظر، وعكس ذلك ما تعمل به الأنظمة الكليانية التي تعمد إلى استئصال الاختلاف والاستقلال الذاتي للأفراد، وذلك من خلال حروب الإبادة والتطهير العرقي. هذا الموقف المتناقض لأرندت حول مسألة الهوية يتعلق بمسألتي الوصل والفصل، أو الاتصال والانفصال، فمن جهة تسعى نحو التميّز، ومن جهة أخرى تعتمد على البعد التفاعلي، بحسب المؤلف.

وفي حديثه عن صاحب مقولة “نهاية التاريخ”، فرانسيس فوكوياما، يشير الباحث إلى أن هذه المقولة وغيرها من المقولات الإيديولوجية التي صاغها مفكرون أميركيون، وروجت لها أميركا بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وحرب الخليج، تصب جميعها في دائرة العولمة، فالثقافات تنصهر وتتلاحم في ضوئها، والتاريخ الكوني يتوقف وينتهي لتظل ثقافة الكون الجديد الديمقراطي شامخة ترعاها الأيادي الأميركية، إنها دعوة متجددة تتدثر بأثواب المركزيات الغربية ذات الأهداف الإمبريالية التي تدعي نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان.

أرخبيلات ما بعد الحداثة.. رهانات الذات الإنسانية

المنحى التفاعلي وتجليات العقل التداولي

يقرأ بكاي في أرخبيلات الثالث، الفكر والفعل في التصور السوسيولوجي عند “ميشال دو سارتو”، الذي يقيم علاقة جدلية  بين الفكر والفعل، فالتفكير البشري عنده لا ينأى عن منطق الحركة أي الفعل، الذي يتميز بالبصيرة، وتملأه الرغبة الملحة للاختراق. وللحصول على حريته يبتكر الفرد مجموعة من الطرق للكلام وللفعل وللتفكير الذي هو غير بعيد عن الحلم. ومثلما يقوم الفعل بدور مهم في أنثروبولوجية سارتو، فالفكر أيضاً، يمثل عنصراً حاسماً، أي نوعاً من التعقل الذي يبطل أشكال الضغوط والخضوع كلها. من هنا رأى بكاي أن تفكير سارتو حول الواقع اليومي هو نمط من التفاؤل يجيب عن الطروحات المتشائمة حول الاستلاب الفردي في صلب الآلية الاجتماعية.

ثم ينتقل الكاتب إلى تناول المنعطفات اللسانية والفينومينولوجية والهيرمينوطيقية والتداولية على أعمال الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت النقدية، وأشهر أعلامها  كارل أوتو آبل، الذي انصب اهتمامه الفلسفي بالتداولية، مركزاً على الحوارية والتفاعلية في المجتمع التواصلي، جاعلاً من اللغة وسيطاً تشترك فيه الذوات لتحقيق نتائج وأغراض نفعية من الخطاب، وسعى إلى بلورة معايير وضوابط إتيقية يحتكم إليها الشركاء في مناقشاتهم.

وفي إشارته إلى فلسفة يورغان هابرماس، وجد بكاي أنها تختلف عن فلسفة سابقيه في مقاربتها للعلوم الإنسانية والاجتماعية، فقد تمكن هابرماس من توسيع دائرة النظرية النقدية من طريق نظرية تداولية اجتماعية أكثر تنظيماً واتساقاً، بالاستناد إلى اللغة، وإلى نظرية الفعل التواصلي، الأمر الذي مكّنه من إحداث قطيعة مع الطروحات التقليدية في العلوم الاجتماعية المتعلقة بالوعي والفعل والممارسة. كما منح هابرماس منطق الخطاب بين المتواصلين بعداً أخلاقياً، ويقيم عبر العقلانية التواصلية جسوراً للتفاهم والتحاور ويخلق أرضية للاختلاف لا الخلاف في الآراء وتداول الحقائق، مقصياً أي تصور أحادي أو رؤية متغطرسة للحقيقة.

أرخبيلات ما بعد الحداثة.. رهانات الذات الإنسانية

إتيقا الاختلاف وموجات النقد النسوي

في أرخبيلات الرابع والأخير، يتحدث الباحث بكاي عن موجات النقد النسوي التي اجتاحت الفلسفة الغربية منذ منتصف القرن العشرين، فيشير بداية، إلى المفكر ميل إيمانويل ليفناس، الذي قدم أعمالاً وتحليلات رائعة فيما يخص مبحث الأخلاق، بدراسته العلاقة البيذاتية والإتيقية التي تربط الذات بنظيرها، وصوغه لمقولات المساواة والمسؤولية والعدالة والعلاقات البشرية غير المشروطة. وبذلك قامت فلسفته الأخلاقية على مبادرة الآخر، مبرزاً تجليات العلاقة بين الأنا والهو، ممثلة في الصداقة والمحبة والعطاء الإنساني.

وبحسب لوس إريغاراي، لتحقيق أي نجاح على صعيد التحرك النسوي/ الثوري المتمثل في تأكيد الذات كآخر، يجب الاعتراف بجميع أشكال الآخر، من دون تسلسل هرمي أو عنصرية أو امتياز، سواء كان هذا الاختلاف في العرق والعمر، أو الثقافة والدين، ليحل محل الواحد اثنين، ويتخلى الواحد عن صيغة المفرد، ويعترف بالآخر.

وفي السياق نفسه، يعرض الدكتور بكاي للتجاذبات النسوية بين جوديث بوتلر، وجوليا كريستيفا حول الرمزي وقلق الأنثوي، فيجد أن الاختلافات بينهما ليست هائلة، ولكن مصطلحات مثل السيميائي والرمزي عند كريستيفا ليست بثنائيات، وهي غير ذلك عند بوتلر، التي تبرهن أن إمكانية التغيير لا يمكن الحكم عليها بالإمكان إلا في المستوى الاجتماعي. ولكن إذا قلّلت بوتلر من رمزية الاجتماعي إلى حقيقة تاريخية واحدة، نجد أن كريستيفا تؤكد أن الرمزية تتجلى دائماً في العلاقات الاجتماعية لكنها لا تتطابق معها.

خاتمة:

استطاع الدكتور بكاي أن يصوّر عبر مقالاته وترجماته التي كتبها بين عامي 2010 و2015، رهانات الذات الإنسانية فيما بعد الحداثة، ولعل هذه الرهانات أكثر الطروحات التي أوقعت مفكريها بالارتباك، كونها تختلف عن طبيعة الدراسات الحداثية السابقة، لأنها قامت على الشك في المعرفة، والشك في الحقيقة.

 

Exit mobile version