الإنسان والطبيعة..ثراء منظومات العيش وهشاشتها

الإنسان والطبيعة..ثراء منظومات العيش وهشاشتها

 

 

 

 

الكتاب: إنقاذ الإنسان والطبيعة.

تأليف: جان ماري بليت وبيير رابحي.

الناشر: فايار – باريس ــ 2016

الصفحات: 234

القطع: المتوسط.

 

تسود لدى الرأي العام في العالم كلّه تقريباً فكرة أساسية مفادها أن البشر اليوم، وباسم التقدّم التكنولوجي الهائل الذي عرفته الإنسانية في الحقبة المعاصرة، يستهلكون بلا حساب موارد الأرض التي يعيشون عليها. ويبدو كأنه يغيب عن أذهانهم تماماً واقع أن بقاء البشر وضمان مستقبل الأجيال القادمة يرتبط إلى حد كبير بهذه الموارد التي يمكن أن تنحسر بحكم الإسراف في الاستهلاك بكل أنواعه.

ولعلّ من أبرز أولئك الذين أدركوا مثل هذه الحقائق الجليّة بوضوح للعيان جان ماري بليت، الذي رحل عن عالمنا نهاية عام 2015، بعد أن أمضى القسم الأكبر من سنوات حياته، وبالتحديد اعتباراً من مطلع سنوات الستينيات، في الدفاع عن البيئة.

وشخصية أخرى ذات شهرة عالمية هو بيير رابحي، صاحب سلسلة طويلة من الأعمال والدراسات عن البيئة والأرض ومستقبل الإنسانية والذي حذّر طويلاً من «فقدان المرجعيات» في التعامل مع البيئة في السياق الراهن من تطوّر الإنسانية. والتأكيد على أهميّة أن يحلّ التضامن والتعاون بين البشر مكان النزاعات والتوترات القائمة. وهو صاحب الدعوة لـ«انتفاضة الضمائر».

وتحت عنوان «إنقاذ الإنسان والبيئة» صدر في مطلع شهر يونيو من هذا العام كتاب يحمل اسميهما، وحيث كان جان ماري بليت قد أنجز سابقاً العديد من الدراسات ضمن هذا الإطار. بهذا المعنى يمكن اعتبار هذا الكتاب الصادر بعد رحيله بمثابة «الكتاب ــ الوصيّة» لمؤسس «المعهد الأوروبي لحماية البيئة» القائم منذ عام 1971 تحت هدف تشجيع وتطوير المبادرات حول نوعية الحياة والبيئة والعلاقات بين البشر والمجتمعات والبيئة، كما جاء في مقدّمة الكتاب.

وعلى غرار ما يتم ذكره في المقدّمة أيضا حول «حكاية الفراشة والنملة» يتم التأكيد على أن بقاء كل نوع من أنواع الكائنات يرتبط بعلاقته مع الأنواع الأخرى. والتأكيد باستمرار على «عمق العلاقة» بين الإنسان والعالم الذي يحيط فيه. وشرح أن العلاقة القويّة بين الكائنات التي تعيش في المعمورة تبرز بالوقت نفسه «ثراء» منظومات العيش على هذا الكوكب الأرضي، ولكن تبرز أيضاً مدى «هشاشة» هذه المنظومات.

وفي سياق التأكيد على روعة وأهمية المحافظة على التوازن الدقيق يتم شرح كيف أن إفراط البشر اليوم في استهلاك موارد البحار والمحيطات وتدمير الغابات وتلويث الطبيعة إنما يساهم في تعريض ذلك التوازن للخطر. وتوصيف ذلك بالقول إن «الأرض تموت» بسبب ما تتعرّض له من «تجاوزات».

والتأكيد بالتوازي مع ذلك أيضاً أن العالم وصل اليوم إلى «مرحلة مفصلية من مسيرته التاريخية»، خاصّة في ظل هيمنة «عصر العلم والتكنولوجيات والصناعات الثقيلة»، وما نجم عن ذلك من اعتبار «كل شيء في الأرض من نبات وحيوانات» بمثابة سلعة ومصدر للكسب المادي.

والتأكيد أن الاستمرار في مثل هذا السلوك يمكن أن يؤدّي إلى عواقب مصيرية على مدى السنوات القليلة المقبلة، وأخطر منها على المدى الأبعد. من هنا بالتحديد تتم المطالبة بتبنّي «منظومة أخلاقية للاستهلاك» تقوم على أساس «احترام الإنسان والبيئة المحيطة»، ومما يتم التأكيد عليه بأشكال مختلفة في هذا الكتاب أن البشرية حققت بالفعل تقدّماً هائلاً يدل عليه واقع أن عدد سكان العالم اليوم يتجاوز السبعة مليارات نسمة. لكن للميدالية «وجهها الآخر».

والتأكيد بأشكال مختلفة أن «الحياة على الأرض» انتظمت باستمرار على أساس «التعاون والتكامل» بين البشر وليس بالأحرى على خلفية «التنافس بينهم». بل القول إن البشر هم الذين أدخلوا مفهوم التنافس من أجل المكاسب. وزادت جرعة ذلك في المجتمعات الحديثة إلى درجة أن «الإنسانية غدت تعيش مرحلة مفصلية» من تطورها.

وتمّ بالتوازي مع ذلك إحداث خلل كبير في العلاقة بين الإنسان وبين الطبيعة بعد حقبة طويلة من التآلف والتعايش. وبعد أن شاعت لفترة طويلة فكرة إمكانية السيطرة على الطبيعة بواسطة العلم وثمراته التكنولوجية. والسيطرة عبر ذلك تصوّر إمكانية امتلاك سلطة أكبر، حيث غدا السؤال اليوم هو كيف يمكن السيطرة على العلم نفسه؟. وكيف يمكن إعادة التناسق للعلاقة بين الإنسان والطبيعة من أجل «إنقاذ» الاثنين من مصير مجهول؟.

ذلك أن «التفريق بين الإنسان والأرض يعني واقعياً طرد الساكن من منزله». وهذا الكتاب هو نوع من الدعوة لـ«الغضب» حيال ما يجري من ممارسات بشرية ضد الطبيعة. والمطالبة بالمقابل بضرورة «فهم الأرض ومحبتها من أجل المحافظة عليها بشكل أفضل».

وهذه هي الخطوة الأولى التي لا بدّ منها، كما تؤكّد التحليلات الواردة في هذا الكتاب، من أجل «تطوير صيغة جديدة لفكر بيئي ــ إيكولوجي» يذكّر بـ«حكمة المجتمعات التقليدية». تلك المجتمعات التي أكّدت باستمرار على احترام عناصر الطبيعة بما تحتوي عليه من «بركة».

 

المؤلفان في سطور

-جان ماري بليت هو مؤسس ومدير «المعهد الأوروبي لدراسات البيئة» منذ تأسيسه عام 1971 وحتى وفاته 2015.

-بيير رابحي هو أيضاً أحد أعلام الدفاع عن البيئة على الصعيد الأوروبي.

 

 

موقع موهوبون دوت نت

Exit mobile version