التنوّع الثقافي والعولمة: قراءة في كتاب أرمان ماتلار

التنوّع الثقافي والعولمة: قراءة في كتاب أرمان ماتلار

 

يقع كتاب التنوع الثقافي والعولمة لأرمان ماتلار في 231 صفحة، ويتألف من مقدمة وسبعة فصول وخاتمة.

تبدأ مقدمة الكتاب بطرح إشكالي يشد انتباه القارئ إلى موضوع الثقافة والثقافات، والمواضيع المتصلة بها من خلال حضورها المكثف، والذي أضحى يتقدم بكيفيات مضطربة تشكو فلتانًا مفهوميًّا وانزلاقات في المعاني، وإفقارًا يزداد مع سعة الحضور الكلي لمصطلح التعدد الثقافي على عتبة الألفية الثالثة، وما ينطوي عليه من وقائع ومواقف متناقضة، جعل مسألة ما هو ثقافي، وما يتصل به من تنوّع عرضة لتدافع مصالح متباينة، وتنافسية بين دول عديدة، تعكس مخاوف جماعية حول تنميط أشكال الحياة والتفكير. وذلك سعيًا إلى التفكير بجدية في إشكالية الاعتراف بالتنوع الثقافي، واعتباره مكوّنًا أساسيًّا لحقوق الإنسان، وتحييد مصائر التوتر عنه، بمنظور بادر إلى رصد معاني التعريفات المادية للثقافة، والثقافات، والتفاعلات، وظاهرة التثاقف، التي طبعت حياة المجتمعات بوصفها تدويلاً ثم عولمة، في أفق تساؤلي ينشد معاودة النظر في المسألة الثقافية وأنماط تداولياتها لدى الإنسان، وكشف المفارقات التي يتقدم بها مفهوم الثقافة، معروضًا على السوق العالمية الديمقراطية، ومفهومًا آخر بوصفه ملكًا عامًا مشتركًا، إنّه نظر في الإشكالية الثقافية من خلال سجالات متباينة، باعتبارها مشروع نظام عالمي جديد، وما يشهده من صناعة ثقافية متنقلة آهلة بالكثافة، تعيد رسم إستراتيجيات القوة، وتيار آخر يسعى إلى تصريف أمر التثاقف مع مبدأ المساواة.

بعد المقدمة ينتقل الكاتب إلى الفصل الأول: تدجين المتنوع المختلف: وهو عنوان لا يخفى على القارئ من حيث أهمية مشكل المختلف في صيرورة تداولية استقرأت مراحل تاريخية، وفي أنماط تداولية مختلفة منذ القرن التاسع عشر، حيث طرح خلالها سؤال الثقافة في موضوع الأنثروبولوجيا الثقافية(علم الإناسة)، ذلك أنّ مصطلح ثقافة يدل بمعناه الإثنوغرافي الأوسع على الكل المكثف الذي ينطوي في آن على المعرفة، والاعتقادات، والفنون، والقوانين، والعادات، أو كلّ مَلَكة أخرى أو عادة يكتسبها الكائن البشري من حيث هو عضو في المجتمع”. – تعريف شارل 1871 في كتابه: ثقافة بدائية-. فما يميز مجتمعًا عن آخر إنّما هي النماذج الثقافية، حيث لوحظ خلالها وجود أطر تعريف مغايرة مارستها التفسيرات الاستعمارية -البريطانية والفرنسية- في النظر إلى المغايرات الثقافية، والتي كانت تؤسس لعقيدة العجز الإبداعي المصنف في أسفل المسار الحضاري، في ملمح ازدرائي دوني للمجتمعات المحلية وفي تصنيفات وصفية: “البرابرة، الهمجيين الجدد، الخارجين على القانون، المنحرفون، الجماهير المتحركة، الطبقات الخطيرة..” في مساع وغايات سعت إلى تهدئة السكان وضبطهم، واعتبر أنّ كل ما يبتعد من الرحم الحديثة أو الغربية، ومن العرق الأبيض بالنسبة إلى علماء الأعراق يجري ترتيبه وتصنيفه أدنى وسابقًا. وهي معطيات كرّستها غزوات العالم الجديد والرحلات الاستكشافية، والتي تأكد من خلالها أنّنا لسنا إزاء حضارة إنسانية واحدة بل حضارات متنوعة، افترض خلالها تعميق مشكلة النظر في المتنوع والمختلف المتعلق بالأدب ومنتوجات الفكر، حيث غدت الأعمال الروحية ملكًا مشتركًا، في انتقالية متسارعة وتدويل عالمي للأفكار من الخصوصية المحلية إلى ولادة أدب عالمي، تساوق في الآن ذاته مع صعود الحركات القومية وفكرة الأمّة، وما أعقبه من ارتيابات لغوية تخشى من حدة التقلص التداولي، بل لنقل أيضًا تلك التنافسية التي كانت بين اللغة الفرنسية والإنجليزية، والخشية من تقلص نفوذهما اللغوي، ذلك أنّه كان يتوقع للنص الأدبي والفكري الذي أسهم تاريخيًّا في بناء مجال عام للسجالات ولتكوين الآراء أن يتعرض لفقدان قوته التثويرية بقوانين الاستهلاك العالمي، فقد كانت مسألة التنوع تطرح إشكالات عديدة، وهي تلحظ الانتقال من المُتّحد أو الأمّة إلى المجتمع، كأنّ الأول يبرز العلاقات العاطفية والوجودية وكذلك الجماعات الأولية، فيما كان الثاني يقدم الأواصر التعاقدية الناشئة في منظومة علاقات لا شخصية مُغلفة وتنافسية، في زحمة هذه الوتيرة المتسارعة التي أضحى يشهدها العالم: على مستوى الأشخاص والمنتوجات. هذا التدويل العولمي الذي قلّص العالم ما بعد القرن التاسع عشر في ملتقى وقائع متعددة، تديرها مجموعة قوى سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، في تدويل حراكي يفصح عن تبادلات تجارية وتداول السلع الثقافية، ويكشف أيضًا عن العلاقات التسالمية أو التغالبية بين الدول وعن تكاثر معاهداتها التطبيعية في المجالات الأكثر تنوعًا بين بغية إقامة مجال مشترك للمبادلات، أو تكييف الأواصر بين المنظمات الاجتماعية والمهنية الصادرة عن زوايا الكوكب الأربع. ذلك أنّ هذا المنظور العولمي المتسارع بتحوله التقني الفائق.. وهذه الحركة نحو تعالق المجتمعات تبدو أنّها لا تقاوم، إلى درجة أنّها صارت مرآة وعي عالمي، متمفصل على المستويات الجغرافية الأخرى. وهي مجموع معطيات أفضت إلى خلق روابط عضوية، وترابط الجميع، والكل في المكان والزمان، وفي ورشات جديدة قائمة على العون المتبادل تارة، وعلى الأمن المشترك تارة أخرى.

لكن في جدل قوة الاتصال المكثف الذي بات يشهده العالم، لم يُفوّت أرمان ماتلار فرصة الحديث عن حالات التقوّي النفوذي لبعض الدول العظمى كأمريكا من خلال أنموذج الأمركة، الذي كان مخصصًا للداخل في تمازج مع المهاجرين إلى أنطولوجية مترحّلة لمرحلة لاحقة، لتدل على عقيدة جديدة للتوسع الإمبريالي – أمركة العالم- ومرفقات التغييرات التي لحقت العالم الجديد من ضمّ وإلحاق في أروبا، كما في أمريكا اللاتينية بنحو خاص، باعتباره حديثًا عن أنموذج حضاري جديد لثقافة جديدة ذات انعكاس عالمي، ألهمها التوسع في إنشاء أوضاع جديدة خارج حدودها وتحييد أعدائها، بمنظور استباقي أجهد في تجاوز عصبة الأمم المتحدة وتقليص نفوذ تدخّلها.

ينتقل أرمان ماتلار في الفصل الثاني لمناقشة ما أسماه جيوبوليتيك العلاقات الثقافية: وقد خصّصه للحديث عن التحولات التي شهدتها أروبا ما بعد الحربين العالميتين، حيث كان قلق أروبا وخوفها من فقدان هيبتها وهيمنتها الفكرية، وتحولت العلاقات الثقافية إلى عدة جيوبوليتيكية، إذ تطبّع معنى ضيّق لمفهوم الثقافة المتراكب في الوسائل التقنية والتجارية والمرتبط بالزمانية الإعلامية، والتي يمكن رؤيتها في مشهد تنافسي للإنتاج السينمائي الأمريكي، ونشوء ما يُسمّى بفلسفة الدفاع الأمريكية، وهو ما غذّى إحساسًا أروبيًّا بنهاية الثقافة المحمية، وأزمة فكرية صاحبها إحساس بإفلاس مثال الأنوار عند نهاية الحرب، ويتقاسمه الأروبيون بقولهم: ” نحن الحضارات نعرف الآن أنّنا حضارات فانية”، وذلك باعتباره حديثًا عن مرحلة عصيبة تجتازها الهوية الأروبية وثقافتها، وضع مأساوي عبّر عنه كل أوزفالد شبنغلر 1918 وكذلك بول فاليري. هذا القلق الأروبي العارم من تبدّل موقع الثقافة العليا، جاء ثمرة لظهور الولايات المتحدة الأمريكية، التي استأثرت بتنامي نفوذي استراتيجي عكس قصدياتها الجيوسياسية، التي مسّت التبادل المعرفي والأعمال الفنية، والمقاربة الإعلامية: الإذاعة والصحافة، وذلك بضمان تجسير تداوليتها على نطاق موسّع يخدم أغراضا هادفة، فهو حديث ضمني عن ثقافة وإعلام وتوتّر بين زمانيتين، حملت ما هو ثقافي على الدعاية الإعلامية في الشؤون السياسية. وهي استراتيجية سعت إلى تصنيع القبول، وبلورة الرأي العام وإرادة حكم الرأي، والتي صارت الهندسة الجديدة للإجماع. وقد نظر غرامشي في هذا النظام الإداري مخططًا لإعادة بناء شامل للعلاقات الاجتماعية، التي وسمها بالأمريكانية، مع إظهار ارتيابه في فرص تغلغلها السريع في البلدان ذات التراث الثقافي العريق.

هذا الوضع السيادي الذي باشرته الثقافة الأمريكية على المجال الأوروبي، اقتضى من بعض الدول كفرنسا وبريطانيا رسمَ آليات لتقنين المشهد السينمائي الأجنبي، واجتراح أوجه ممانعة لتقوّي مجالهما السينمائي والتحكم فيه، والنهوض بصناعة سينمائية محلية مميزة، تبرز فيها الروح الوطنية.

في الفصل الثالث: نجد حديثًا عن تمأسس الثقافة: ذلك أنّه مع نهاية الحرب العالمية الثانية دخلت الثقافة في حقل صلاحية الأمم المتحدة، ومع ذلك لم يحظ المفهوم بالإجماع والتوافق بين البلدان الأعضاء، حيث وجدت هناك خلافات بين الأمم المتحدة والبلدان الأوروبية، التي رفضت التفاوض الجديد حول السياسات السينمائية الوطنية في إطار خطة مارشال، حيث تشهد هذه الفترة إنشاء منظمة الأمم للتربية والعلوم والثقافة سنة 1946 UNISCO، ما أظهر مصاعب التوافق حول فلسفة عمل مشترك، ومع ذلك بدت كل البلدان الأعضاء أنّها تتقاسم الشعور نفسه حول “البعد الكوني” لتعريف الثقافة والتفكير فيها، ذلك أنّه بعد سنوات الحرب التي انتهت، تعززت مُثُل السلام إنجازًا للمشروع السخي المتواصل العالمي بالأفكار، وذلك إيمانًا بالجامع المشترك بين الأمل والطموح، اللذيْن يربطان معًا كل البشر في العالم برابط، وقد عمدت اليونسكو إلى استعمال موارد الإذاعة والصحافة والسينما ومعلوماتها لتعميق التفاهم والاحترام المتبادلين بين شعوب الأرض. لكن هذا الرهان كثيرًا ما كان يفسح المجال لوجود ممانعات واعتراضات تجاه تسهيل الدوران الحر للأفكار بالكلمة والصورة، هذه الخشية التي أبدتها بريطانيا وغيرها من الدول، من وجوب مواجهة الاجتياح الفوري للأفكار الأمريكية، فقد أطاحت باقتراح الولايات المتحدة لإقامة نظام تواصلي ذي بعد عالمي في نطاق اليونسكو، حيث جعلت واشنطن من التدفق الحر محور سياستها الدولية على صعيد المبادلات الثقافية. وهو ما تجسّد في ظاهرة الخشية من البيروقراطية الثقافية، الموحدة على الصعيد العالمي: بيروقراطية الفن والثقافة. وحيث أضحت الصناعة الثقافية منظورًا إليها باعتبارها سلعة في العلاقات الدولية، وهو السياق الذي اعتبر مواتيًا لنقد طريقة الحياة الأمريكية، ونمط تشكلها الضاغط على دول أروبا، والذي حدد أفقًا للتطور الاجتماعي لا يمكن تجاوزه، ذلك أنّ هذه الرؤية الناقدة للحياة الأمريكية تعززت في الأوساط الفكرية الفرنسية والأروبية بمشاريع التعاون في مجال البحث، التي تقدمت بها المؤسسات الخاصة والحكومات الاتحادية في سياق خطة مارشان، التي تسعى إلى مجابهة تراث سوسيولوجي يوصف بأنّه إيديولوجي وشمولي مفرط، وذلك باستبداله بمقاربات إمبريقية عقلانية يعكسها رهان الإسهام في تقريب الأنظمة السياسية الأروبية، الموصوفة بأنّها استبدادية مفرطة في التمرتُب من المثال الأمريكي.

محمد بنعياد, مؤمنون بلا حدود

 

 

 

 

Exit mobile version