الذكاء الاصطناعي يتنبأ بعدوى كورونا.. فقدان التذوق والشَّم

مع سرعة انتشار جائحة فيروس كورونا المستجد المسبب لمرض “كوفيد–19″، وعدم قدرة أقوى الأنظمة الطبية على مستوى العالم على الصمود لمواجهة تداعياته وملاحقة المصابين به، ربما تكون تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي هي الحل لهذا الظرف شديد التعقيد. وفي محاولة لحصار العدوى واكتشاف إصابات المرض مبكرًا، طوّر باحثون في جامعة “كينجز كوليدج” في لندن، بالتعاون مع مستشفى ماساتشوستس العام في الولايات المتحدة، طريقةً جديدةً للتشخيص، تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، يمكنها التنبؤ باحتمالات إصابة الإنسان بالفيروس، وفي توقيت مبكر للغاية.

وكشفت الدراسة التي نُشرت في دورية نيتشر ميديسين (Nature Medicine)، أن الأشخاص الذين ثبتت إصابتهم بـ”كوفيد-19″ كانوا أكثر عرضةً بـ6 أضعاف للإبلاغ عن فقدان حاستي الشم والتذوق في وقت مبكر، مقارنةً بالأشخاص الذين كانت نتائجهم سلبية، وذلك على عكس ما كان يشير إليه الأطباء والمرضى في بداية أزمة كورونا من أن أعراض الفيروس أغلبها تنفسية، فضلًا عن ارتفاع درجة الحرارة، قبل أن تتطور إلى أعراض أخرى مثل فقدان التذوق والشم.

ويستقي نموذج الذكاء الاصطناعي -الذي طوره العلماء بالتعاون مع شركة العلوم الصحية (ZOE)- بياناته من تطبيق مجاني على الهواتف الذكية يحمل اسم (COVID Symptom Study) أطلقه الباحثون في بريطانيا في 24 مارس 2020، وفي الولايات المتحدة في 29 مارس 2020، لجمع البيانات من الأفراد الذين يبلغون عن إصابتهم بأي أعراض تنتابهم، ويدوّنون حالتهم الصحية مع المرض يوميًّا، ويتضمن ذلك الأعراض وعلامات الاستشفاء وبيانات تتعلق بتاريخهم المرضي، بالإضافة إلى نتائج اختبار تفاعل البوليمراز المتسلسل للنسخ العكسي التقليدي لكشف كورونا (RT-PCR).

في حديث لـ”للعلم”، قال تيم سبيكتور، قائد فريق البحث بجامعة “كينجز كوليدج” اللندنية: إن النتيجة التي توصلت إليها دراستنا شكلت مفاجأةً بالنسبة لنا؛ إذ يمكن للأعراض غير الكلاسيكية أن تكون مؤشرًا قويًّا على الإصابة، مشددًا على أن العديد من الحكومات لا تأخذ هذه العوامل بعين الاعتبار، رغم أنها يمكن أن تساعد في تحديد المصابين بـ”كوفيد-19″.

وأوضح: “كشفت نتائجنا أن فقدان حاستي التذوق والشم بمنزلة علامة تحذير رئيسية مبكرة للعدوى، ويجب تضمينها في الفحص الروتيني للمرض. وأضاف: “أنصح أي شخص يعاني من فقدان مفاجئ في هاتين الحاستين بأن يفترض أنه مصابٌ بعدوى كورونا، وعليه اتباع إرشادات العزل الذاتي في المنزل، حتى يجري تأكيد إصابته من عدمها، لعدم نشر العدوى”.

وتابع أن الفريق طور أيضًا نموذجًا رياضيًّا يمكنه أن يتنبأ بدقة تقارب 80٪ ما إذا كان من المحتمل أن يكون الشخص مصابًا بـ”كوفيد-19″، استنادًا إلى عمره وجنسه ومزيج من أعراض أخرى رئيسية، هي: فقدان الشم أو التذوق، أو السعال الشديد، أو التعب المستمر، وتخطي الوجبات.

وعن ميزة التطبيق الجديد، أشار إلى أن الآثار المترتبة عليه عظيمة الفائدة؛ لأنه في حالة عدم وجود اختبار واسع النطاق وموثوق به لفيروس كورونا، يُعد تسجيل الأعراض من خلال التطبيق طريقةً بسيطة وسريعة وفعّالة من حيث التكلفة لمساعدة الأشخاص على معرفة ما إذا كانوا مصابين بالعدوى أم لا، وما يترتب على ذلك من اتخاذ خطوات لعزل الذات وإجراء الاختبار التقليدي الذي يمكنه تأكيد حدوث الإصابة أو نفيه.

تسجيل الأعراض

وخلال الدراسة التي أُجريت في الفترة بين 24 مارس و21 أبريل 2020، أبلغ مليونان و450 ألفًا و569 في بريطانيا و168 ألفًا و293 في أمريكا، تتراوح أعمارهم بين 16 و90 عامًا عن حالتهم الصحية من خلال التطبيق، الذي قام بتنزيله أكثر من 3.5 ملايين شخص في بريطانيا وأمريكا خلال 6 أسابيع فقط من إطلاقه.

وسجل حوالي 800 ألف من المشاركين أعراضًا مرتبطة بـ”كوفيد-19″، وكان أبرزها الإحساس بالتعب والسعال المستمر مع فقدان الشهية، بالإضافة إلى فقدان حاستي الشم والتذوق، ثم أفاد 18 ألفًا و374 منهم بأنهم أجروا اختبارًا للكشف عن فيروس كورونا، وكانت نتيجة الفحص إيجابيةً لدى 7 آلاف و178 منهم، لكن باحثي الدراسة يعتقدون أن عدد المصابين بناءً على الأعراض المبلغ عنها قد يصل إلى 140 ألفًا من إجمالي أعداد المشاركين.

وكانت مهمة الفريق هي التحقيق في الأعراض الأبرز لفيروس كورونا، التي ارتبطت بالحالات الإيجابية، وكانت المفاجأة أنهم وجدوا أن الحمى والسعال -وهي من الأعراض الأكثر شهرةً للإصابة بالفيروس- لم يكونا من الأعراض الأبرز للمرض كما هو شائع، بل فقدان حاستي التذوق والشم، إذ أبلغ 65% ممن كانت نتيجتهم إيجابية للفيروس بفقدان حاسة الشم، مقابل 21% ممَّن كانت نتيجتهم سلبية.

إشارة أولية

غازي كيالي -الباحث في علم الأوبئة والفيروسات، والمدير التنفيذي لمنظمة “هيومان لينك” في لبنان، المعنية بدراسة الأوبئة في الشرق الأوسط- قال: إن ما يميز هذه الدراسة، أنها الأولى من نوعها التي تقترب أكثر من تحديد قوة العلاقة بين فقدان حاستي التذوق والشم والإصابة بـ”كوفيد-19″، بعد أن سبقتها دراسات أخرى أشارت إلى هذا الرابط، وبالتالي فإنها تعطي إشارةً أولية بأن هؤلاء المرضى قد يعانون بالفعل من ذلك، وليس مجرد ملحوظة عابرة.

لكنه في المقابل أوضح -في تصريحات لـ”للعلم”- أنها تحتاج إلى دراسة أخرى لتأكيد ما توصل إليه العلماء؛ لأن هذا البحث يعاني مما نسميه في علم الأوبئة بتحيُّز الاختيار (Selection bias)، وهو مصطلح يفيد أن الأفراد الذين جرى الاستناد إليهم في النتائج لا يحققون التوزيع العشوائي الصحيح، ولا يمثلون بالضرورة جميع السكان، ومَن شارك في الدراسة فقط هو مَن قرر أن يشترك ولم يتم اختياره عشوائيًّا، وبالتالي فقد يتمتع بخصائص تميزه عن غيره، وبالتالي لا يمكن تعميم نتائجها على جميع السكان.

وأضاف أن الفريق أشار في بحثه إلى وجود مشكلة في طرح الأسئلة على المشاركين فيما يتعلق بفقدان حاستي الشم والتذوق؛ إذ كان هناك سؤال واحد فقط، وهو: هل فقدت حاستي الشم والتذوق؟ وبالتالي فإن الإجابة عنه لا تحدد إن كان قد فقد الحاستين معًا أو إحداهما، بالإضافة إلى أن الحصول على إجابات من المشاركين دون التأكد من صحتها بالفحص الإكلينيكي، يضاف إلى “تحيز الاختيار”؛ لأن الشخص ربما لم يفهم السؤال أو التبست عليه الأعراض فيما يتعلَّق بتحديد فقدان حاسة الشم على سبيل المثال، بالتالي فإن إجابته عن السؤال تعتمد على إحساسه فقط (الذي قد يكون غير دقيق في بعض الأحيان) دون التأكد بالفحص الطبي من هذا الشعور.

وبناءً على ذلك، أشار “كيالي” إلى أن النتائج التي توصلت إليها الدراسة فيما يتعلق بأن مرضى كورونا معرضون أكثر من غيرهم بـ6 مرات للإصابة بفقدان حاستي الشم والتذوق، ربما تحمل مُغالاةً في نسبتها، لكنها تعطي مؤشرًا على وجود مشكلة، وتحتاج إلى استكمال الأبحاث على عينات أخرى لتأكيدها.

وأضاف أن الدراسة التي يُفترض أن يجريها العلماء لتحديد هذا الرابط تسمى “دراسة الحالات والشواهد” (Case-Control)، وهي نوع من الدراسات الرصدية تُحدَّد فيها مجموعتان: الأولى مصابة بفيروس كورونا والثانية غير مصابة، بحيث تجري مقارنتهما معًا بناءً على بعض السمات السببية المُفترضَة، من حيث فقدان حاسة الشم والتذوق من عدمه، وأن تكون المجموعتان متشابهتين في الأحوال المادية والمجتمعية والنطاق الجغرافي.

وعقّب “سبيكتور” بأن المرحلة التالية من الدراسة هي إجراء تجربة للمقارنة بين الخوارزمية الخاصة بنا واختبار المسحة التقليدية، حتى يتمكن التطبيق في المستقبل من مساعدة الأشخاص في تحديد ما إذا كانوا مصابين أم لا، موضحًا أنهم يُجرون اختبار المسحة بالتعاون مع وزارة الصحة البريطانية، ومن المقرر أن يبدأوا أيضًا دراسة سريرية قريبًا.

وأضاف أن التجربة السريرية ستتركز على اختبار مدى توقُّع نمذجة الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورًا؛ للتنبؤ بـ”كوفيد-19″ بعد يومين فقط من ظهور الأعراض، إذ سيجري اختبار حوالي 5000 شخص بحثًا عن وجود أجسام مضادة لديهم في بداية التجربة، وسيستخدمون التطبيق يوميًّا لتسجيل يومياتهم، ثم يتم إجراء اختبار تقليدي لهم عند ظهور الأعراض.

ورأى “سبيكتور” أن الجمع بين هذا التنبؤ بالذكاء الاصطناعي مع الانتشار واسع النطاق للتطبيق الذكي يمكن أن يساعد في تحديد أولئك الذين من المحتمل أن يكونوا أشخاصًا ناشرين للعدوى، بمجرد ظهور الأعراض المبكرة عليهم، ويساعد في جهود تتبُّع الحالات الجديدة.

نتائج مهمة للغاية

من جانبه، اعتبر أحمد محمد قنديل -باحث الفيروسات بالمركز القومي للبحوث في مصر- أن نتائج هذه الدراسة مهمة للغاية لمؤسسات الرعاية الصحية ومقدمي الخدمات الصحية؛ لسرعة التعرُّف على المصابين بالفيروس، خاصةً فيما يتعلق بتحديد فقدان حاستي الشم والتذوق باعتباره أبرز أعراض كورونا.

وأضاف في تصريحات لـ”للعلم”، أن هذه الدراسة تأتي استكمالًا لأبحاث سابقة سلطت الضوء على إمكانية إصابة مرضى “كوفيد-19” بفقدان الشم والتذوق بجانب الأعراض المعروفة للمرض وأبرزها الحمى وارتفاع درجة الحرارة، وجاءت هذه النتائج لتضيف مزيدًا من الدلائل إلى ذلك، وما يميزها أيضًا أنها وظّفت تطبيقات الهواتف الذكية المتاحة على نطاق واسع في مكافحة الجائحة الحالية.

وتابع أن هذه النتائج قد تفيد أيضًا الأشخاص الذين لا يستطيعون التفرقة بين أعراض الإنفلونزا العادية وكورونا، وتضيف عَرَضين يسهل اكتشافهما، ربما يميزان “كوفيد 19” عن غيره من فيروسات الجهاز التنفسي، خاصةً بالنسبة لمَن يلجأون إلى خطوط الاتصالات الهاتفية التي تخصصها وزارات الصحة للإبلاغ عن أعراض كورونا.

ونوه “قنديل” بأن هناك مشكلة كبيرة تواجه الأنظمة الصحية في البلدان النامية، وهي أن الشخص يلجأ عادةً إلى المساعدة الطبية عند وصوله إلى حالات حرجة من المرض، لذلك قد يكون الشخص مصابًا بـ”كوفيد 19″ ولا تظهر عليه أعراض واضحة، وميزة هذه النتائج أنها تضع أعراضًا يسهل تحديدها، وبالتالي يمكن للأشخاص أن يعزلوا أنفسهم في المنزل ابتداءً، حتى تتأكد إصابتهم بالفيروس من عدمه، وذلك لتقليل العدوى.

وأكد أن بعض الأجسام البشرية لديها القدرة على مقاومة أعراض الفيروس، وربما يصاب بالفيروس ويُشفى منه، وتظهر عليه فقط أعراض بسيطة، لكن لا تشخص إصابته بالفيروس معمليًّا، وهذا يسمى “ناشرًا للفيروس”، وخطورته لا تكمن في إصابته الشخصية التي يتعافى منها، لكن الخطر يشمل المخالطين له، وقد يكون بينهم كبار السن، وأشخاص يعانون من مناعة ضعيفة، وهؤلاء أكثر عرضةً لتداعيات المرض الخطيرة، والتي تتسع معها دائرة انتشار الفيروس.

المصدر

Exit mobile version