جريتا ثونبرج.. أيقونة إضراب المدارس من أجل المناخ

 

في قراءاتي لتاريخ النضال الوطني ضد الاحتلال البريطاني كثيرا ما كنت أقرأ هذه الكلمة “إضراب المدارس”، كصورة من صور الاحتجاج على قضايا فرعية، في إطار العنوان العام للنضال من أجل الاستقلال والنهضة. صورة ربما اختفت بعد غياب الاحتلال البريطاني، ومجيئ حكومات ما بعد الاستقلال، وغياب صور وأشكال مختلفة للتعبير السلمي عن الاحتجاج في بلادنا التي ابتليت بالاستبداد بعد الاحتلال.
وفي خلال العام الماضي (2018) طرقت هذه الكلمة مسامعي مرة أخرى، على وقع حوادث إطلاق النار في بعض المدارس الأمريكية، ثم جاءت الأشهر الأخيرة من العام لتظهر أمامي صورة الفتاة السويدية جريتا ثونبرج Greta Thunberg بشكل متكرر على صفحات الفيسبوك كأيقونة لما سمي بإضراب المدارس من أجل المناخ. 


جريتا ثانبرج المولودة في 3 يناير 2003، أي أنها تبلغ من العمر الآن 16 عاما، والدتها مغنية أوبرا ووالدها ممثل، وجدها ممثل ومخرج، وللأسرة والعائلة مواقف إيجابية من القضايا البيئية. في العشرين من أغسطس 2018 قررت جريتا، التي كانت في الصف التاسع حينها، أنها لن تذهب للمدرسة لحين عقد الانتخابات العامة في السويد في يوم 9 سبتمبر، وذلك بعد موجات الحرارة وحرائق الغابات في السويد.

وكانت مطالبها أن على الحكومة السويدية العمل على الحد من انبعاثات الكربون وفقا لاتفاق باريس، وقد احتجت جريتا عبر الجلوس خارج البرلمان كل يوم خلال ساعات الدوام المدرسي رافعة لافتة Skolstrejk FÖR klimatet (اضراب المدارس للمناخ). وخلال إضرابها وزعت جريتا الكثير من المنشورات حول أزمة لمناخ وسبب إضرابها، وشرعت في النشر على تويتر وإنستجرام عن إضرابها، وسرعان ما انتشر الأمر كالنار في الهشيم، ومن ثم بدأ توافد الصحفيين والداعمين.
بعد الانتخابات العامة، واصلت جريتا الإضراب أيام الجمعة فقط، وحظي دأبها وإصرارها باهتمام عالمي، حيث ألهمت وقفاتها المتكررة طلاب المدارس في جميع أنحاء العالم للمشاركة في الإضرابات الطلابية.

ومن ثم، واعتبارا من شهر ديسمبر عام 2018، قام أكثر من 20 ألف طالب بالإضراب في 270 مدينة على الأقل في دول مثل أستراليا، والنمسا، وبلجيكا، وكندا، وهولندا وألمانيا وفنلندا والدنمارك واليابان وسويسرا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.
فضلا عن ذلك فقد شاركت جريتا في مظاهرات المناخ أمام البرلمان الأوروبي، كما شاركت في إعلان التمرد الذي نظمته حركة تمرد الانقراض في لندن، وتحدثت في تيد إكس ستوكهولم عن التوحد كطريقة لتفسير سبب عدم فهمها لتقاعس الحكومات والمواطنين عن التهديد المناخي.

وشاركت بالحديث في الجلسة العامة لقمة تغير المناخ COP24 قائلة: “أنتم فقط تتحدثون عن النمو الاقتصادي الأخضر الأبدي لأنكم خائف من كونكم غير محبوبين. أنتم تتحدثون فقط عن المضي قدمًا بنفس الأفكار السيئة التي أدت بنا إلى هذه الفوضى، حتى عندما يكون الشيء الوحيد الذي يمكن فعله هو سحب فرامل الطوارئ أنتم لستم ناضجين بما يكفي لتخبرونا بحقيقة الوضع كما هو.

حتى هذا العبء الذي تتركونه لنا نحن الأطفال.”، “فإذا كانت الحلول من داخل النظام مستحيلة للغاية، فعندئذ ربما يجب علينا تغيير النظام نفسه”.
وفي 23 يناير 2019، وصلت ثونبيرج إلى دافوس بعد رحلة قطار استغرقت 32 ساعة، لمواصلة حملتها المناخية في المنتدى الاقتصادي العالمي. وفي اليوم التالي، ألقت خطابًا قالت فيه: “بعض الناس يقولون إن أزمة المناخ هي شيء أنشأناه جميعًا، لكن هذا ليس صحيحًا، لأنه إذا كان الجميع مذنبين، فلا أحد يقع عليه اللوم.

والحقيقة أن هناك من يقع عليهع اللوم، إنهم بعض الناس، وبعض الشركات، وبعض صانعي القرار على وجه الخصوص، لقد عرفنا بالضبط ما هي القيم التي لا تقدر بثمن التي كانوا يضحون بها لمواصلة جني مبالغ لا يمكن تصورها من المال. وأعتقد أن الكثيرين منكم هنا اليوم ينتمون إلى تلك المجموعة من الناس.”
كانت جريتا ثونبيرج واحدة من الفائزين في مسابقة الشباب لكتابة المقال بصحيفة سفينسكا داجبلاديت السويدية حول المناخ وذلك في مايو 2018. وفي نوفمبر 2018، حصلت على منحة Fryshuset من نموذج دور الشباب لهذا العام. في ديسمبر عام 2018 ، صنفت مجلة تايم Thunberg واحدة من أكثر 25 مراهقًا تأثيراً في العالم في عام 2018.
خلال شهر ديسمبر من العام الماضي، وأثناء ذروة نشاط جريتا، تم تشخيصها على أنها مصابة بمتلازمة أسبرجر، وهو نوع مخفف من مرض التوحد، إضافة لإصابتها باضطراب الوسواس القهري، والطفرات الانتقائية. لكن مرضها لم يمنعها من مواصلة النضال، ففي منشور حديث بتاريخ 2 فبراير على صفحتها العامة أشارت جريتا إلى أنها لا ترى الأسبرجر مرضا، ولكنها تنظر إليه كهبة، وأنه هو ما جعلها تأخذ هذا الموقف الفردي، حيث أنها لا تجيد التواصل الاجتماعي، ولذا فهي لا تنتمي لأي منظمة، ولا تمثل إلا نفسها، وما تقوم به مجاني تماما، وهي لا تتلقى أموال ولا وعود بأموال من أجل مواصلة نضالها، وحين تسافر فإنها تفعل بإذن من مدرستها، وبدعم من والديها.

د. مجدى سعيد 

Exit mobile version