فريق بحثي مصري يتوصل إلى تركيبة نانوية لمكافحة الأورام السرطانية

توصَّل فريق بحثي مصري مشترك من جامعة المنصورة ومدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا إلى فائدة محتملة جديدة لعقار السليمارين في مقاومة الأورام السرطانية، بعد تحميله على حاملات نانوية.

قاد الفريق البحثي كلٌّ من “محمد الفار”، أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة المنصورة وعضو اللجنة الاستشارية للدراسات العليا والبحوث بالجامعة، و”إبراهيم الشربيني”، الرئيس المؤسس لبرنامج علوم النانو ومدير مركز علوم المواد بمدينة زويل.

ويشتهر السليمارين بدوره الفعال كمكمل غذائي لمرضى الكبد، وكان فريق بحثي آخر شارك فيه الشربيني قد نجح قبل عامين في تحضير تركيبة نانوية منه أعطت أملًا في إمكانية استخدامه لمقاومة الإصابة وبمرض السكري من النوع الثاني، أو التحكم فيه حال الإصابة به، وذلك بعد تجربته على حيوانات التجارب. وجاء الفريق البحثي الجديد ليضيف فائدة محتملة للعقار ذاته باستخدامه لمقاومة الأورام السرطانية، وذلك بالتجريب معمليًّا على نموذج خلايا سرطان إيرليخ الاستسقائي، “Ehrlich ascites carcinoma cells”.

وهذا النوع من الخلايا السرطانية يمكن نقله وزرعه داخل التجويف البريتوني (الذي يغلف التجويف البطني ويغطي معظم أعضاء البطن) لفئران التجارب على شكل ورم استسقائي، وهي خلايا سريعة التكاثر بقوة ولا تتراجع عن ذلك، وتُستخدم معمليًّا وبحثيًّا لتجربة العقاقير والمواد الجديدة لتقييمها.

ويُستخلص السليمارين من نبات يسمى “عشبة حليب الشوك” Milk Thistle واسمه العلمي Silybum Marianum، ومشكلته الأساسية أنه شحيح الذوبان، بما ينعكس سلبًا على ما يسمى بـ”الإتاحة الحيوية ” داخل الجسم، أي نسبة الدواء الذي يُمتص ويستفيد منه المريض فعليًّا، وهي المشكلة التي عالجها الفريق البحثي السابق بواسطة تقنية النانو في دراستهم السابقة حول توظيف السليمارين في مقاومة مرض السكري من النوع الثاني معمليًّا، وتم البحث لتوظيفها لمقاومة الأورام السرطانية، بالتجريب على أحد نماذج السرطان معمليًّا، ونشروا بحثًا عن هذا الإنجاز في دورية نانوميديسن Nanomedicine خلال شهر أغسطس الماضي.

يقول “إبراهيم الشربيني”، الباحث الرئيسي في الدراسة، “: إن مشكلة الذوبان الشحيح تؤثر على معدل ومدة امتصاص الدواء داخل الجسم، موضحًا أنه بالتالي حتي يقوم بدوره العلاجي يجب زيادة حجم الجرعة، ما يؤدي إلى بقاء كمية من العقار لا يمتصها الجسم، ويتسبب في حدوث أعراض جانبية تتمثل في فقدان الشهية وعسر الهضم والرغبة في التقيؤ. ويشدد أن الفريق البحثي تجاوز هذه الأعراض بإعادة صياغة المادة الفعالة للدواء داخل كريات نانومترية مبتكرة تم تصميمها وتحضيرها بمدينة زويل”.

ويُعد استخدام تقنية النانو من الاتجاهات الحديثة لتعظيم قيمة الدواء، ويجري فيما يتعلق بالسرطان وحده تقييم نحو 117 عقارًا باستخدام تركيبات جزيئات نانو، وفقًا لبيانات تومسون رويترز فارما لعام 2013.

في الدراسة الأخيرة، استُخدمت بوليمرات معتمدة من “هيئة الأغذية والأدوية الأمريكية” في أعداد الكريات النانومترية لتحميل الدواء عليها، ومنها على سبيل المثال، بوليمرات (البليورينك)، والمكونة من نوعين من البوليمرات هما (البولي إيثلين جليكول)، و(البولي بروبلين جريكول)، وهو ما يساعد على تحسين مستوى الإتاحة الحيوية ومعدل الامتصاص داخل الجسم، ويجنِّب حدوث أي أعراض جانبية، لعدم وجود أي جزءٍ باقٍ من العقار لم يتم امتصاصه.

ويوضح “الشربيني”، أن العقار المحمل على البوليمرات النانوية عند توظيفه لمقاومة الأورام السرطانية يتوجه إلى الخلية المصابة دون غيرها، وذلك لأن الحاملات النانوية تم تصميمها بحيث تنجذب إلى الواسمات الحيوية bio markers، الخاصة بالخلايا المريضة دون غيرها.

والواسم الحيوي هو جزيء قد يكون بروتينًا أو هرمونًا أو جينًا وراثيًّا يشير إلى الحالة الصحية لشخص ما. وفي حالة السرطان قد يكون الواسم الحيوي نتاجًا للأنسجة السرطانية أو نتاجًا لخلايا أخرى كرد فعل للإصابة بالورم.

لماذا السرطان؟

ويُعد تصميم الحاملات النانوية لعقار السليمارين لتنجذب الواسمات الحيوية للخلايا المريضة، هو نقطة الاختلاف الرئيسية مع البحث السابق الخاص باستخدام العقار ذاته كعلاج محتمل للسكري، ولكن السؤال لماذا تم التفكير تحديدًا في مرض السرطان بعد نجاح التجربة السابقة لاستخدامه في علاج السكري؟

يقول “الشربيني” إنه في أثناء البحث المكتبي للتأثيرات الحيوية للعقار الذي تم خلال مشاركته في إعداد البحث السابق الخاص بمقاومة السكري من النوع الثاني أو التحكم فيه، وجد توصيات بإمكانية استغلاله في كعلاج محتمل في بعض حالات الأورام، كتلك الواردة في دراسة لفريق بحثي أمريكي نُشرت عام 2008 في دورية رسائل السرطان Cancer Letters وذلك بشرط رفع كفاءته وحل كل المشكلات المتعلقة بشُحِّ الذوبان، وهو ما نجح فيه الفريق البحثي من خلال هذا البحث باستخدام تقنيات النانو.

واختبر الفريق البحثي المشارك من جامعة المنصورة بقيادة “محمد الفار”، الباحث الرئيسي بالدراسة، تأثيرَ التقنية الجديدة في مقاومة السرطان على نموذج من السرطانات يسمى “سرطان إيرليخ الاستسقائي”، وذلك بعد حقن الخلايا السرطانية في الغشاء البريتوني لفئران التجارب، والانتظار حتى تتكاثر وتكوِّن الورم، ثم تقسيمهم إلى مجموعتين رئيسيتين ضمن مجموعات أخرى، الأولى أخذت التركيبة النانوية للسليمارين، والثانية أخذت مادة السليمارين الطبيعية غير المطورة.

يقول “الفار”: “إن استخدام السليمارين المحمَّل على حاملات نانوية بجرعة وتركيز منخفضَين أدى إلى تثبيط نمو الخلايا السرطانية معمليًّا، وإنقاص حجم الورم، وتقليص عدد الخلايا السرطانية بصورة إحصائية مؤثرة تفوق استخدامه بشكله الطبيعي”.

ويضيف أن نجاح العقار بتركيبته المطورة في القضاء على الورم السرطاني تمامًا بالفئران المسرطنة معمليًّا، يجعل من دراستهم الأولى التي تُظهر فاعلية الجرعات المنخفضة من السليمارين المطور بتقنية النانو في القضاء على أورام إيرليخ الإستسقائي، مما يحد من الأعراض الجانبية المؤثرة ويتيح التوسع في استخدام العقار كمادة طبيعية ومن مصدر نباتي آمن لمقاومة بعض الأورام.

ويضيف أن نجاح السليمارين بتركيبته المطورة في تحقيق هذه الوظيفة، يعود إلى قدرته على إيقاف دورة الخلية السرطانية، وضمور وتقليص الميتوكوندريا (محطات الطاقة بالخلية السرطانية)، وإحداث الموت المبرمج للخلية السرطانية، من خلال تحفيز بعض الجينات ومضادات الأكسدة المسؤولة عن ذلك.

ويعمل موت الخلايا المبرمج على إزالة الخلايا التالفة وغير المرغوب فيها، إذ يحدث ضمن منظومة حيوية عملية منظمة جدًّا، لإحداث سيطرة محكمة على التضاعف الخلوي للخلايا، بما يحافظ للكائن الحي على توزانه وصحته.

وقد جرى رصد الدور الذي يؤديه السليمارين المطوَّر معمليًّا في موت الخلايا المبرمج باستخدام المجهر الإلكتروني، وفق “الفار”.

ويشير “الفار” في هذا الإطار إلى أن السليمارين بشكله الطبيعي له القدرة على مقاومة أنواع من السرطان، ولكن عقبة “الإتاحة الحيوية” والأعراض الجانبية في حالة اللجوء إلى الجرعات العالية منه قد حجَّمت من التوسُّع في تطبيقاته، وقد تغلَّب البحث الجديد على هذه المشكلة بالتجارب المعملية على نموذج من الخلايا السرطانية.

الخطوة التالية

 والخطوة التالية التي يجب أن يقطعها الفريق البحثي هي إجراء المزيد من الدراسات على حيوانات التجارب، كما يؤكد “عماد الأشقر”، الأستاذ بقسم الطيف بالمركز القومي للبحوث، والباحث المشارك في مشروع علاج السرطان بجزيئات الذهب الذي ينفذه المركز تحت إشراف “مصطفى السيد”، الأستاذ بجامعة جورجيا للتكنولوجيا.

يقول “الأشقر” -الذي اطَّلع على نسخة من البحث- لـ”للعلم”: “الجهد المبذول في إعداده واضح جدًّا، لكن هذا الجهد يحتاج إلى استكمال بمزيد من الأبحاث على عدد أكبر من حيوانات التجارب لوضع توصيف كامل ودقيق لعدد من العناصر، مثل زمن بقاء الدواء في الجسم، ورصد الآثار الجانبية له”.

ثم بعد ذلك، والكلام للأشقر، ينتقل البحث إلى مستوى أكبر، هو التجربة على الحيوانات الكبيرة مثل القطط والكلاب والجمال.

ويضيف: “هذه المرحلة صعبة للغاية؛ لأن إحداث ورم في الحيوانات الصغيرة مثل الفئران يستغرق وقتًا قصيرًا، على عكس الحيوانات الكبيرة .هذا فضلًا عن أن إحداث الورم قد لا يعطي عند استخدام العلاج نتائج مطابقة لاستخدام العلاج نفسه مع أورام حدثت للحيوان بشكل طبيعي”.

ويشدد: ولذلك يفضل البحث عن حيوانات تعاني بالفعل من الأورام، وهو ما قد يستغرق سنوات، موضحًا أنه بعد تجاوز هذه المرحلة سيكون العلاج مهيَّأً للتجارب السريرية والإكلينيكية.

اعتماد سريع

 ويتفق “الفار” مع ما أشار إليه “الأشقر”، قائلًا إن النتائج التي توصلوا إليها هي خطوة أولى، ولا بد من إجراء المزيد من التجارب المعملية على حيوانات التجارب قبل التفكير في التطبيق العملي على البشر وفق بروتوكولات تتَّسق مع القواعد المتعارف عليها علميًّا وعالميًّا.

ومن جانبه، يؤكد “الشربيني” أن التجارب السريرية المطلوبة لمثل هذه الأدوية التي لا نتدخل في تركيبتها الكيميائية، تكون قصيرةً جدًّا، وتُجرى على عدد محدود من المرضى، وقد لا تتعدى مدتها عامًا واحدًا، وتُعرَف علميًّا باسم التجارب السريرية القصيرة “fast track clinical trials”.

ويقول: “نحن نتحدث عن دواء معتمد وموجود في الأسواق، وكل ما فعلناه أننا قمنا بتحميله على حاملات نانوية ذكية مصنَّعة من بوليمرات طبيعية معتمدة من هيئة الأغذية والأدوية الأمريكية؛ لإضافة تطبيق جديد للدواء، ألا وهو مقاومة الأورام السرطانية”.

المصدر
Exit mobile version