Uncategorized

جون براون.. الثائر في وجه العبودية والعنصرية ومن أجل الحرية وحقوق الإنسان

“أنا، جون براون، أصبحت الآن على يقين تام من أن جرائم هذه الأرض المذنبة لن يتم تطهيرها أبدا إلا بالدم. لقد حاولت، كما أفعل الآن، أن أوهم نفسي عبثًا بأنه يمكن تحقيق ذلك دون إراقة الكثير من الدماء”..

الكلمات الأخيرة لـ جون براون

كانت هذه هي آخر كلمات “جون براون John Brown” (1800 – 1859) الثائر الأمريكي الأبيض، في وجه العبودية والعنصرية، في اليوم الذي تم فيه إعدامه، يوم 2 ديسمبر من عام 1859 بعد القبض عليه ومحاكمته في أعقاب هجومه على أحد مخازن السلاح الفيدرالية في “هاربرز فيري Harpers Ferry” بغرب ولاية فيرجينيا من أجل أن يقوم بتسليح العبيد ليقوموا بتحرير أنفسهم.

كانت كلمات جون براون الأخيرة صادقة، من حيث إنه ظل حتى بلغ السادسة والخمسين لم يحمل سلاحا لإنهاء العبودية، بالرغم من أنها القضية الرئيسية التي عاش بها ومعها منذ صغره.

جون براون ضد العبودية

ففي قصة رواها لعائلته، عندما كان عمره 12 عاما وكان بعيدا عن المنزل يرعى الماشية، كان يعمل لدى رجل مع صبي ملون، وحدث أن تعرض ذلك الصبي للضرب أمامه بمجرفة حديدية، وعندما سأله جون براون عن سبب معاملته بهذه الطريقة، فكان الجواب أنه عبد. ووفقًا لأحد أفراد العائلة، كانت تلك هي اللحظة التي قرر فيها جون براون تكريس حياته لتحسين حالة الأمريكيين من أصل أفريقي.

جون براون .. تربية قوية على المبادئ

كان يمكن لحادث مثل هذا أن يمر على صبي غيره دون أن يتوقف عنده، لكن جون براون كان ينتمي لأسرة بيضاء ضد العبودية وضد العنصرية وتؤمن بالمساواة لجميع البشر، بالرغم من أنها كانت أسرة فقيرة، انتمى والده أوين براون إلى الطائفة التطهيرية (البيوريتانية) المسيحية، وكان والده مؤمنا بشدة بإلغاء العبودية abolitionist، ومارس دورا قياديا في مدينة هدسون بولاية أوهايو في هذه الحركة، بل إنه وفر مأوى آمن للعبيد الهاربين من العبودية، فضلا عن ذلك فقد عايش الأمريكيين الأصليين، وكان يودهم ويودونه، وقد وفر كل ذلك لجون تربية قوية على المبادئ التي عاش من أجلها.

حياة جون براون

عاش براون حياة بسيطة قريبة من الفقر، حيث تلقى قدرا من التعليم غير النظامي، وكان يستعد لدخول إحدى الكليات (قبل الجامعية)، لكنه مرض، وانصرف عن استكمال تعليمه إلى الحياة العملية. لكن تعليمه وتربيته الدينية جعلته لا يشرب الكحوليات، ولا يدخن، ولا يشرب حتى الشاي أو القهوة. كما أنه أحب القراءة كثيرا خاصة في مجال التاريخ.

جون براون ودباغة الجلود

مارس جون براون العمل مع والده في دباغة الجلود، ثم ما لبث أن استقل بعمله، وتزوج بزوجته الأولى عام 1820، والتي توفيت بعد 12 عاما من الزواج. وخلال 10 سنوات من إقامته في ولاية بنسلفانيا (1825 – 1835) جعل من مدبغته ومنزله محطة في رحلة هروب حوالي 2500 من العبيد الفارين إلى الحرية.

تدمير العبودية

مارس براون عدة أعمال غير الدباغة، حيث مارس العمل بالمساحة، والبريد، كما مارس الزراعة، وتربية الأغنام والخيول، وتاجر في الصوف وكان خبيرا بأنواعه، لكن نجاحه في الأعمال الخاصة به كان محدودا، لذلك استدان وأعلن إفلاسه.
وفي عام 1837 مرت على جون براون الحادثة الثانية التي جعلت من مناهضة العبودية قضيته، ففي هذا العام قتل القس والصحفي المطالب بإبطال العبودية إيليا باريش لافجوي Elijah P. Lovejoy بعد إطلاق النار عليه من قبل حشد من مؤيدي للعبودية، وبسبب هذا الحادث تعهد جون براون علنا بمحاربة العبودية “هنا، أمام الله، وفي حضور هؤلاء الشهود، منذ ذلك الوقت، سأكرس حياتي لتدمير العبودية”.

كانت إقامة جون براون في سبرينجفيلد بولاية ماساشوستس منذ عام 1846 مهمة في مسيرة حياته، حيث كانت المدينة مقرا لنشاط وافر مناهض للعبودية، بما في ذلك نشر صحيفة “ذا ريبابليكان”، إحدى أكثر الصحف تأثيرا في البلاد، والتي كانت منخرطة بعمق في الحركة المناهضة للعبودية.

إلغاء العبودية

ومنذ عام 1846 وحتى مغادرته سبرينجفيلد في عام 1850، كان براون عضوًا في الكنيسة الحرة، التي أسسها الأمريكيون من أصول أفريقية، والتي كانت من أبرز منصات إلغاء العبودية في الولايات المتحدة، حيث حضر فيها محاضرات حول إلغاء العبودية من القادة السود للحركة من أمثال فريدريك دوجلاس وسوجورنر تروث. وفي عام 1847، وبعد أن تحدث بنفسه في الكنيسة حول إلغاء العبودية، أمضى دوجلاس ليلة يتحدث مع براون، وبعد ذلك كتب دوجلاس “منذ تلك الليلة التي أمضيتها مع جون براون في سبرينجفيلد، ماساتشوستس [في] عام 1847، بينما واصلت الكتابة والتحدث ضد العبودية، أصبحت على الرغم من ذلك أقل أملا في إلغائها سلميا. وأصبح كلامي مشوبا أكثر فأكثر بلون الانطباعات القوية لهذا الرجل”.

حركة السكة الحديد تحت الأرض

كانت سبرينجفيلد أيضا واحدة من أكثر المحطات أمانًا والأكثر أهمية على خط الحركة التي كانت تعرف باسم “السكة الحديد تحت الأرض Underground Railroad”. والاسم مجازي بالطبع، ويعبر عن شبكة من الطرق السرية والملاذات الآمنة التي كان يستخدمها الأمريكيون الأفارقة المستعبدون خلال القرن التاسع عشر للهروب من الولايات الأمريكية في الجنوب (حيث العبودية) إلى الولايات الشمالية وكندا حيث الحرية، وهي الحركة التي ساهم فيها جون براون في جميع مراحل حياته.
وخلال تلك الفترة أيضا ساهم براون في إعادة نشر صديقه هنري هايلاند جارنت عام 1848، لكتاب ديفيد ووكر “نداء إلى المواطنين الملونين في العالم” (1829).

رابطة الجلعاديين

وقبل أن يغادر براون سبرينجفيلد في عام 1850، أصدرت الولايات المتحدة قانون العبيد الهاربين، وهو قانون يلزم السلطات في الولايات الحرة بالمساعدة في عودة العبيد الهاربين ويفرض عقوبات على أولئك الذين يساعدون في هروبهم، وردا على ذلك، أسس براون مجموعة مسلحة لمنع إعادة القبض على الهاربين، وهي “رابطة الجلعاديين The League of the Gileadites ” وهو اسم مستلهم من القصة الواردة في العهد القديم، والتي تعرف في القرآن باسم قصة طالوت وجالوت.

منذ حادثة قتل الصحفي إيليا لافجوي تحديدا، ومن خلال متابعة براون لحوادث محاولات هروب العبيد أو تمردهم، وما أعقبها من ردود أفعال عنيفة متجاوزة الحد من تجار وملاك العبيد، شملت العقاب الجماعي، والتعذيب، بل وصلت في وحشيتها إلى حد حرق العبيد أحياء. ومن خلال قراءات براون حول تاريخ المارون maroons وهم أحفاد الأفارقة في الأمريكتين وجزر الكاريبي الذين هربوا من العبودية وشكلوا مستوطناتهم الخاصة. واختلطوا مع الشعوب الأصلية، وتطوروا في النهاية إلى ثقافات مختلطة ومختلفة، ومنذ القرن السادس عشر خاضوا حروبا وثورات مختلفة ضد المستعبدين والمحتلين الإسبان، والإنجليز والفرنسيين من أجل التحرر، وهي النضالات التي ألهمت جون براون كثيرا. وكان مجموع الأحداث التي عايشها جون براون في الولايات المتحدة، والتي قرأ عنها في تلك التواريخ أن ترسخت لديه القناعة بأنه لا سبيل إلى التخلص من العبودية إلا بالنضال المسلح، وأن تجار وملاك العبيد لن يتخلوا عن مصلحتهم في العبودية بالإقناع أو الخطاب السلمي وحده.

وبداية من عام 1854، وحتى عام 1860، كان إقليم كانساس في خضم حرب أهلية، وهي الفترة التي يشار إليها في التاريخ باسم “كانساس النازفة”، حيث كان من المقرر أن يحدد الناخبون في الإقليم موقفهم، هل يتحول الإقليم إلى ولاية حرة (أي لا عبيد فيها كولايات الشمال)، أم إلى ولاية تمارس العبودية، وهنا تدفق إلى الولاية مؤيدون لكل جانب، خاصة أولئك المؤيدون للعبودية، والذين جاءوا بشكل خاص من ولاية ميزوري المجاورة، في شكل عصابات مسلحة، مارست العنف والتهجير القسري، وإخلاء القرى والأراضي ضد كل من كان يطالب أو يؤيد أن تكون كانساس ولاية حرة، وهو العنف الذي وصل إلى القتل في حالات كثيرة، كما مارست تلك القوى التزوير القسري للتصويت في الولاية، لانتخاب مناصري العبودية.

وفي ظل هذه الظروف، وتحديدا في ربيع عام 1855 انتقل إلى الولاية أربعة من أبناء جون براون كونهم لدعم كانساس كولاية حرة، ثم لحق بهم براون وابن خامس له. وظل براون يراقب الموقف عن كثب، ويشاهد عدوان المناصرين للعبودية، ويثير غضبه جبن المؤيدين للحرية، وعدم دفاعهم حتى عن أنفسهم، ومن ثم طاف بعدة ولايات شمالية باحثا عن الدعم لمحاربة القوات المؤيدة للعبودية، وأصبح قائدا للقوات المناهضة للعبودية.

كان براون ومستوطنو الولاية المؤيدين للحرية متفائلين بإمكانية ضم كانساس إلى الاتحاد كولاية خالية من العبودية، لكن المؤيدين للعبودية زادوا من حملتهم العنيفة ودمروا صحيفتين مؤيدتين لخلو الولاية من العبودية، وتعرض سيناتور مناهض للعبودية للضرب.

ومع تصاعد العنف من هذا الطرف، زاد غضب براون، وهنا جاءت أكثر الحوادث إثارة للجدل في حياة جون براون كمناهض للعبودية، وهي الحادثة المعروفة باسم “بوتاواتومي Pottawatomie” والتي وقعت في أواخر شهر مايو من عام 1856 تحت إشراف براون، قامت مجموعة مسلحة تضم أبناءه وآخرين باقتياد 5 من المستوطنين المتشددين في مناصرتهم للعبودية من بيوتهم ليلا وقتلهم.

ظلت تلك الحادثة طوال حياة براون وحتى بعد مماته مدعاة لاتهامه بـ”الإرهاب”، ومما لا شك فيه، أنه وإن كان سياق الحرب الأهلية وعنف الطرف الآخر وحوادث القتل التي ارتكبوها تبرر استخدام عنف مقابل لرد العدوان، إلا أن الأسلوب والطريقة التي تمت بها العملية والتي تنطوي على قدر من “الغدر”، ما كان ينبغي أن يرتكبها جون براون كرجل آمن بتحقيق العدل والمساواة ليس فقط للأمريكيين من أصول افريقية، ولكن للسكان الأصليين وغيرهم من الملونين والمضطهدين.

لكن، لم تكن كل العمليات التي قام بها براون ومجموعة الرجال الذين معه لم تكن من هذا النوع الخاطئ والمتجاوز، ففي 2 يونيو استطاع ومعه 22 رجلا أن يصدوا هجوما لقوات مناصرة للعبودية كان يستهدف طرد أهل قرية من مناصري أن تكون كانساس حرة، واستطاع أسر قائد القوات المهاجمة ومن معه.

وفي أغسطس، عبرت مجموعة مكونة من أكثر من 300 من سكان ميزوري تحت قيادة الجنرال جون دبليو ريد الحدود إلى كانساس واتجهت نحو أوساواتومي Osawatomie، عازمة على تدمير مستوطنات للمطالبين بولاية حرة هناك، وفي صباح يوم 30 أغسطس 1856، أطلقوا النار وقتلوا فريدريك نجل براون وجاره ديفيد جاريسون على مشارف أوساواتومي. فقام براون، الذي كان عدد أعدائه 7 أضعاف من معه، بترتيب رجاله الثمانية والثلاثين خلف الدفاعات الطبيعية على طول الطريق. وأطلقوا النار من مكامنهم، وتمكنوا من قتل ما لا يقل عن 20 من رجال ريد وجرح 40 آخرين. ولكن عندما أعاد ريد تجميع صفوفه، وأمر رجاله بالنزول والتوجه إلى الغابة.

تفرقت مجموعة براون الصغيرة وهربت وقُتل أحد رجال براون أثناء الانسحاب وتم القبض على أربعة، بينما اختبأ براون ورجاله الناجين في الغابة القريبة، ومن ثم نهب سكان ميزوري أوساواتومي وأحرقوها. وعلى الرغم من هزيمته، فإن شجاعة براون وحنكته العسكرية في مواجهة الصعاب جلبت له الاهتمام الوطني وجعلته بطلاً للعديد من دعاة إلغاء العبودية في الشمال.

وفي 7 سبتمبر، دخل براون إلى لورانس للقاء قادة الداعمين للولاية الحرة لمساعدتهم في التحصين ضد هجوم متوقع، حيث قام ما لا يقل عن 2700 من سكان ميزوري المؤيدين للعبودية بغزو كانساس مرة أخرى. وفي 14 سبتمبر، اشتبكوا بالقرب من لورانس.
استعد براون للمعركة، ولكن تم تجنب العنف عندما أمر حاكم كانساس الجديد، جون دبليو جيري، الأطراف المتحاربة بنزع سلاحها وحلها، وعرض الرأفة على المقاتلين السابقين من كلا الجانبين.

لكن خطوة جون براون الكبرى، والتي تسببت في القبض عليه ومحاكمته وإعدامه، وكانت سببا في شهرته التي طابقت الآفاق، والتي كانت سببا في اشتعال الحرب الأهلية الأمريكية بعدها وهي هجومه على “هاربرز فيري” عام 1859 سبقها تفكير طويل ومشاورات وطواف بولايات الشمال، وزيارة لمقر تجمع العبيد الفارين إلى الحرية في كندا، وإعداده لدستور افتراضي بديل، وتطور لمجتمع الحقوق والحريات والمساواة الذي يتمناه.
بدأت خطط براون لشن هجوم كبير على العبودية الأمريكية قبل وقت طويل من الغارة. وفقًا لزوجته ماري، التي تمت مقابلتها بينما كان زوجها ينتظر إعدامه في تشارلز تاون، “لقد كان ينتظر عشرين عامًا للحصول على بعض الفرص لتحرير العبيد؛ وكنا جميعًا ننتظر معه الوقت المناسب الذي يجب أن يضع فيه عزمه على ذلك”.

كانت يستهدف القيام بغارة في ذهنه لمكافحة العبودية من شأنها أن توجه ضربة كبيرة ضد نظام العبودية بأكمله، وتؤدي إلى هروب العبيد من المزارع الجنوبية. لكن براون كان حذرا بشأن من يتحدث إليه، وكان من هؤلاء القلة الذين تحدث معهم حول خطته فريدريك دوجلاس، والذي كان هو نفسه هاربا من العبودية في ميريلاند، واستقر به المقام في ماساتشوستس وعرف بأنه كان مصلحا اجتماعيا، وداعيا لإلغاء العبودية، وخطيبا، وكاتبا، ورجل دولة. ناقش جون براون خططه مطولا، لأكثر من يوم، مع دوجلاس، محاولا دون جدوى إقناعه بالالتحاق به، لكن دوجلاس اعتقد أنها مهمة انتحارية لن تنجح.

كان براون قد عاد من كانساس في خريف عام 1856 عازما فيما يبدو على القيام بهذه الغزوة، ومن ثم أمضى 3 أعوام يطوف بالولايات يلتقي بالداعمين ماديا (من مال وسلاح) ومعنويا، والمشاركين المحتملين في خطته. وقد حقق بعض النجاح في حملته لجمع المال والسلاح، والقليل من النجاح في جمع المشاركين.

جون براون.. الثائر في وجه العبودية والعنصرية ومن أجل الحرية وحقوق الإنسان
جون براون.. الثائر في وجه العبودية والعنصرية ومن أجل الحرية وحقوق الإنسان

وفي أوائل عام 1858، حرص جون براون على أن يضع أفكاره كلها في شكل دستور مؤقت، ليكون بديلا للدستور الأمريكي، بحيث يكون واضحا في نصه على إلغاء العبودية، وفي الحقوق المتساوية لجميع ساكني الولايات المتحدة بكافة ألوانهم وأعراقهم ودياناتهم وجنسهم، وهو ما اعتبره الكثيرون ضربا من الجنون، فعلي الرغم من أن الشمال كان ضد العبودية، إلا أنه كان لا يختلف في عنصريته عن الجنوب، على اعتبار أن الأعراق الأخرى هي أدنى في المرتبة من العرق الأبيض، ومن ثم فإنهم يستحقون المكانة الأدنى، ولا يمكن مساواتهم بالبيض في الحقوق.

وفي مايو من نفس العام سافر براون إلى مجتمع السود الهاربين في تشاتام، في أونتاريو بكندا وعقد هناك مؤتمرا دستوريا، ناقش فيه الدستور المؤقت الذي وضعه، وبعد مناقشات، اعتمد المجتمعون وهم 34 من السود، و12 من البيض، وشكل المجتمعون ما يشبه حكومة مؤقتة لإدارة ذلك المجتمع المتعدد المتساوي الذي كان يطمح براون في إقامته بعد نجاح عمليته. ومن ثم تم نشر وثيقة “إعلان الحرية من قبل ممثلي السكان العبيد في الولايات المتحدة الأمريكية”.

وعلى الرغم من أن جميع المندوبين تقريبا وقعوا على الدستور، إلا أن القليل منهم تطوعوا للانضمام إلى قوات براون، على الرغم من أنه لم يكون من الواضح عدد المغتربين الكنديين الذين كانوا يعتزمون بالفعل الانضمام إلى براون بسبب ما حدث من “تسرب أمني” لاحق ما أدى لتأجيل خطة الغارة، وخلق حالة من الفوضى.

وبسبب تأجيل غزوه لهابرز فيري، قام براون ومعه حفنة قليلة من الرجال في ديسمبر من نفس العام بإغارة حرر فيها 11 من العبيد وأسر رجلين أبيضين من بعض مناطق ولاية ميزوري، وفي يناير من عام 1869 انطلق في رحلة الطويلة لاصطحاب العبيد المحررين إلى مأمنهم في كندا. ثم طاف بعدة ولايات للحصول على المزيد من الدعم بالمال والسلاح وجمع ما يستطيع من رجال للمشاركة في غارته، وكان يحلم بالقتال لإنشاء ولاية جديدة للعبيد المحررين وقام بالاستعداد للعمل العسكري، وكان يعتقد أن العبيد سوف ينهضون وينفذون تمردا عبر ولايات الجنوب بعد أن ينفذ هجومه.

جون براون.. الثائر في وجه العبودية والعنصرية ومن أجل الحرية وحقوق الإنسان
جون براون.. الثائر في وجه العبودية والعنصرية ومن أجل الحرية وحقوق الإنسان

وفي أواخر سبتمبر من عام 1859، وعندما وصل إلى هاربرز فيري لم يكن مع براون فعليا سوى 21 رجل، 16 منهم من البيض والباقي من السود، تراوحت أعمارهم بين 21 و49 عامًا. وفي 16 أكتوبر 1859، قاد براون (تاركًا ثلاثة رجال خلفه كحارس خلفي) 18 رجلاً في هجوم على مخزن أسلحة هاربرز فيري. كان مستودع الأسلحة عبارة عن مجمع كبير من المباني التي تحتوي على 100 ألف بندقية، خطط براون للاستيلاء عليها واستخدامها لتسليح العبيد المحليين، والذين كان يتوقع منهم أن يتجهوا جنوبا، ويسحبون المزيد والمزيد من العبيد من المزارع، ويقاتلون فقط دفاعا عن النفس. كانت استراتيجيته تتمثل في الأساس في استنزاف ولاية فرجينيا من العبيد، مما يؤدى إلى انهيار المؤسسة في مقاطعة تلو الأخرى، حتى تنتشر الحركة إلى الجنوب، مما يؤدى إلى تدمير القدرة الاقتصادية للولايات المؤيدة للعبودية.

في البداية سارت الأمور بشكل جيد ولم يواجه براون ورجاله أي مقاومة عند دخول المدينة، حيث قطعوا أسلاك التلغراف واستولوا بسهولة على مستودع الأسلحة الذي كان يدافع عنه حارس واحد، وقاموا بعد ذلك بجمع الرهائن من المزارع المجاورة، بما في ذلك العقيد لويس واشنطن، ابن شقيق جورج واشنطن، كما قاموا بنشر الأخبار للعبيد المحليين بأن تحريرهم أصبح في متناول اليد. لكن الأمور بدأت تسوء عندما اقترب قطار بالتيمور وأوهايو المتجه شرقا من المدينة، وبعد أن أوقف القطار، سمح له براون، لسبب غير مفهوم، بمواصلة طريقه. ومن ثم انتشر خبر الهجوم بعد وصول القطار للمحطة التالية، وأخذ الأهالي وحكومة الولاية والحكومة الفيدرالية، وعصابات المؤيدين للعبودية في التجمع ومحاصرة مستودع السلاح، وحصلت مناوشات قتل فيها اثنين من أبناء جون براون، وآخرين من الطرفين، وانتهى الأمر بإلقاء القبض على براون ومحاكمته ونفر ممن كانوا معه.

وخلال محاكمته التي استمرت أسبوعا ونيف، وحبسه لمدة شهر بعد الحكم عليه وفقا لقانون ولاية فيرجينيا قبل تنفيذ حكم الإعدام فيه. أوضح براون مرارا وتكرارا في رسائله ومحادثاته التي سمح له بها بعد الحكم عليه أن هذه كانت أسعد أيام حياته، نعم سيتم قتله علنا، على حد تعبيره، لكنه كان رجلا عجوزا، على حد قوله، على وشك الموت على أي حال. كان براون ذكيا سياسيا وأدرك أن إعدامه سيوجه ضربة قوية ضد قوى الاستعباد، وهي ضربة أكبر مما وجهه هو بنفسه حتى الآن أو مما كان يحتمل أن يقوم به لو قدرت له الحياة، فموته الآن كان له غرض. ففي تلك الأثناء، سمح له حكم الإعدام بنشر آرائه المناهضة للعبودية من خلال المراسلين الموجودين باستمرار في تشارلز تاون، مقر محاكمته واحتجازه، ومن خلال مراسلاته الضخمة، وهي الآراء التي نشرت في صحف البلاد وزادت من تقدير الناس له ولأفكاره وبطولته.

قبل إدانته، لم يُسمح للصحفيين بالوصول إلى براون، خشية أن تؤدي تصريحاته، إذا نُشرت بسرعة، إلى تفاقم التوترات، خاصة بين المستعبدين. كان هذا الأمر محبطًا للغاية بالنسبة لبراون، حيث صرح بأنه يريد الإدلاء ببيان كامل عن دوافعه ونواياه من خلال الصحافة.

تلقى براون رسائل أكثر من أي وقت مضى في حياته. وكان يكتب ردودا عليها باستمرار في مئات من الرسائل البليغة، التي غالبا ما تُنشر في الصحف، وأعرب عن أسفه لأنه لم يتمكن من الرد على كل رسالة من المئات الأخرى التي تلقاها. وكانت كلماته تفيض بالروحانية والقناعة. وقد أكسبته الرسائل التي التقطتها الصحافة الشمالية المزيد من المؤيدين في الشمال بينما أثارت غضب العديد من البيض في الجنوب. وعلى الرغم من وجود عدة خطط لإنقاذه، فإنه رفضها جميعا، فعندما كتب براون لأسرته من السجن، كان يعتقد أن “دمه سيفعل الكثير نحو تعزيز القضية التي سعيت جاهدًا لتعزيزها، أكثر من كل ما فعلته في حياتي من قبل”.

جون براون.. الثائر في وجه العبودية والعنصرية ومن أجل الحرية وحقوق الإنسان
جون براون.. الثائر في وجه العبودية والعنصرية ومن أجل الحرية وحقوق الإنسان

وقد حدث ذلك بالفعل، فعلى الرغم من أن الكثيرون حتى من المناهضين للعبودية في الشمال ومن قادة الحزب الجمهوري المؤيد لوحدة أمريكا هاجموه في البداية ووصفوه ووصفوا فعله في الهجوم على هاربرز فيري بالجنون، إلا أن ما أدلى به في محاكمته، وأثناء انتظاره لتنفيذ حكم الإعدام زادت من شعبيته في الشمال، وزادت من كراهيته ومن الخوف من أن يكون جون براون مجرد مقدمة لظهور مهاجمين آخرين، وراجت إشاعات أن الحزب الجمهوري يعد لغزو الجنوب، ومن ثم بدأت دعوات انفصال الجنوب عن الشمال، وتكوينه اتحادا كونفدراليا منفصلا تتصاعد.

الفلسفة المتعالية

كان من أبرز الذين أثروا في الرأي العام الشمالي مجموعة من المفكرين البارزين في ولايات الشمال من أتباع الفلسفة المتعالية transcendentalism وهي حركة فلسفية وروحية وأدبية تطورت في أواخر عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر في منطقة نيو إنجلاند في الولايات المتحدة. كان هؤلاء يؤمنون أن الخير متأصل في الناس والطبيعة، وأن المجتمع ومؤسساته أفسدوا نقاء الفرد، لذا فإن الناس يكونون في أفضل حالاتهم عندما يكونون “معتمدين على أنفسهم” ومستقلين حقا.

حبل المشنقة

كان على رأس هؤلاء المفكرين والفلاسفة ثلاثة: وهو رالف والدو إميرسون Ralph Waldo Emerson وهنري ديفيد ثورو Henry David Thoreau وعاموس برونسون ألكوت Amos Bronson Alcot، تزعم هؤلاء الثلاثة من خلال الكتابة والخطابة حملة ليس فقط للدفاع عن جون براون بل أيضا لتمجيده وتمجيد فعله، كون فعله يتطابق مع الفلسفة التي يدعون إليها، وكونه ثائرا ضد مظهر من مظاهر فساد المجتمع متمثلا في مؤسسة العبودية، وقد بلغ منهم الاحتفاء به أنهم شابهوا بين موته على حبل المشنقة، وبين موت المسيح على الصليب، بحسب اعتقاد المسيحيين.

القناعة المضادة

وقد ازدادت هذه القناعة شيئا فشيئا لدى الجمهور في ولايات الشمال، في مقابل القناعة المضادة في الجنوب، ومع تصاعد التوتر بين الشمال والجنوب، وفي داخل ولايات الجنوب ضد كل من يشتبه في انتمائه لأفكار ولايات الشمال، فضلا عن تصاعد التنكيل الوحشي بالعبيد، وصولا إلى الانتخابات الرئاسية التي أتت بأبراهام لينكولن، ووصولا إلى الحرب الأهلية، التي شنتها قوات الشمال ضد الانفصاليين في الجنوب بداية من أجل الحفاظ على وحدة أمريكا، ثم مع تصاعد الولع بجون براون وتغني القوات الشمالية وجميع أهل الشمال بجون براون باعتباره بطلا، وما نتج عن ذلك من ضغط على الإدارة الأمريكية تحول الغرض من الحرب إلى القضاء على العبودية، وهو ما تحقق بصدور إصدار الرئيس لينكولن لإعلان تحرير العبيد في 1 يناير من عام 1863. صحيح أن هذا الإعلان لم يوقف معاناة الأمريكيين من أصول أفريقية مع العنصرية حيث احتاجوا لما يزيد عن قرن حتى يصلوا إلى حركة الحقوق المدنية إلا أن جون براون كان له سهم في النشوء المبكر لهذه الحركة عبر توارث أفكاره وإلهامه لدى أجيال من المناضلين في هذا المسار.

جون براون المناصر لإلغاء العبودية

وختاما أقول إنني كنت أختم قراءة تلك السيرة المفصلة التي كتبها ديفيد إس رينولدز David S. Reynolds بعنوان “جون براون المناصر لإلغاء العبودية John Brown – Abolitionist”، وهي سيرة تجاوزت الـ 500 صفحة، كنت أختم هذه السيرة مع الأيام الأولى لحرب فلسطين الأخيرة التي بدأت بيوم 7 أكتوبر 2023 المجيد. وبالطبع لم أمنع نفسي من التأمل وربط الأحداث، فبينما أصر كاتب السيرة على الجمع بين وصفه لجون براون بأنه الرجل الذي قتل العبودية، وأشعل الحرب الأهلية ووضع بذور الحقوق المدنية، إلا أنه أصر من بداية السيرة للصفحات الأخيرة منها على وصفه بالإرهاب، كونه استخدم العنف المسلح في خلاف سياسي على حد رأيه، وقد كان غريبا أن يصف الكاتب العبودية بأنها وجهة نظر سياسية، وكأن الأمر لم يكن متعلقا بملايين البشر اختطفوا بالقوة من قارة أفريقيا، وتعرضوا للتعذيب والعمل بالسخرة والاغتصاب والقتل الوحشي طوال قرون، تماما كما تعرض أهل فلسطين – ولا يزالون – لإخراجهم من بلادهم وممتلكاتهم وإقامة دولة فصل عنصري على أرضهم، وكان الأغرب أن كاتب السيرة لم يطلق لفظ الإرهاب على العبودية ولا على تجار وملاك العبيد، ولا على العصابات التي قتلت وأحرقت الناس أحياء وفعلت كل ما فعلت من فظائع، وكأن العدوان على البشر مجرد وجهة نظر، فقط يلتصق وصف الإرهاب بك إذا قاومت ذلك. صحيح كما قلنا إن الغدر الذي اتسم به أول عمل عنيف لجون براون لم يكن ينبغي أن يحدث، ولكن أن يتم توزيع تهمة الإرهاب على طرف دون طرف، أمر يشبه كثيرا ما يحدث اليوم على ساحة أرض فلسطين.. والله أعلم.

د/ مجدي سعيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى