مبدعونشخصيات أدبيه

عبد الرحمن بدوي .. رحلة فيلسوف من الوجودية إلى الإسلام

يعد عبد الرحمن بدوي رائدا من رواد الفكر الفلسفي المعاصر، ومن العقول العربية اللامعة أسهم بإنتاجه الفلسفي الذي ألهم – وما زال يلهم – الباحثين ويمدهم بمصادر الفكر الغربي القديم والمعاصر، والتراث العربي والإسلامي، تأليفاً وتحقيقاً وترجمة، بما لا يستغنى عنه الباحث، والمثقف، والمتخصص في مجال الدراسة الفلسفية. والحقيقة أن بدوي بما قدمه من كتابات، إنما يؤسس ليس فقط للدراسات الفلسفية، وإنما لإيجاد وعي عربي معاصر، أو ما أسماه في أول دراساته عن نيتشه سنة 1939 ثورة روحية.

وعبد الرحمن أحد أبرز أساتذة الفلسفة العرب في القرن العشرين وأغزرهم إنتاجا . كما يعتبره بعض المهتمين بالفلسفة من العرب أول فيلسوف وجودى عربي، وذلك لشده تأثره ببعض الوجوديين الأوروبيين وعلى رأسهم الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر وقد عاش بدوي طالباً ومعلماً للفلسفة ، وكان متقناً لعدة لغات أنتج من خلالها العديد من المحاضرات والأبحاث والكتب في مجالات متنوعة..

وليس ثمة شك أن عبدالرحمن بدوي، لا يقل شأناً عن طه حسين، وعباس العقاد، وتوفيق الحكيم، في الفكر العربي المعاصر . فقد كان بدوي جسراً ثقافياً بين الشرق والغرب، نقل إلى العربية هيجل ونيتشه وكانط وشبنجلر وشيللر وشلنج وسارتر، ونماذج من الشعر الألماني المعاصر كما نقل الفلسفة الوجودية الألمانية والفرنسية، ونقل عن اللغات الأجنبية أبحاثاً ودراسات تتناول تراثنا العربي الإسلامي وأضاف إليه. وله إبداعات كثيرة في شتى حقول المعرفة الإنسانية.

نشأته ومراحل حياته

ولد الدكتور عبدالرحمن بدوي في ٤ فبراير سنة ١٩١٧ بقرية شرباص مركز فارسكور بمديرية الدقهلية آنذاك محافظة دمياط المصرية حاليا ، وكان ترتيبه الـ15 من بين ٢١ أخا وأختا .
يقول بدوي في كتابه سيرة حياتي الجزء الأول صـ 15 :وكان مولدي في حوالي الساعة الثانية من صباح الرابع من فبراير سنة 1917 (ألف وتسعمائة وسبعة عشرة ) وكنت الثامن من إخوتي وأخواتي لأمي والخامس عشر بين أبناء والدي وسيصبح المجموع واحدا وعشرين ولدا. أحد عشر من البنين وعشرا من البنات.
وحصل عبد الرحمن بدوي على شهادة الإبتدائية سنة ١٩٢٩ من مدرسة فارسكور يقول بدوي:
وكان ترتيبي هو الرابع والخمسون بعد الثلثمائة (354) من مجمع الحاصلين على الشهادة الإبتدائية في القطرالمصري وكان عددهم حوالي المائة ألف .

عبد الرحمن بدوي .. رحلة فيلسوف من الوجودية إلى الإسلام
عبد الرحمن بدوي .. رحلة فيلسوف من الوجودية إلى الإسلام

ثم حصل على الكفاءة عام ١٩٣٢ من المدرسة السعيدية في الجيزة يقول بدوي :وأتممت دراستي في المدرسة السعيدية وحصلت على البكالوريا (شهادة الثانوية العامة الآن ) قسم آدبي في يونيو سنة 1934 وكان ترتيبي الثاني على جميع طلاب القسم الأدبي في القطر المصري .

التحق بدوي بكلية الآداب قسم الفلسفة بجامعة فؤاد الأول القاهرة حاليا ، وفي مايو ١٩٣٨ حصل على الليسانس الممتاز * وعين معيدا في نفس العام ، وأنهى رسالة الماجستير في نوفمبر ١٩٤١ وكتبها بالفرنسية عن مشكلة الموت في الفلسفة الوجودية وبخاصة عند هيدجر وحصل على الدكتوراه في ٢٩ مايو ١٩٤٤ بعنوان: الزمان الوجودى.
يقول الكاتب أنيس منصور وكان حاضرا تلك المناقشة وهو لايزال طالباً وكان الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي يرأس لجنة المناقشة :أشاد الدكتور طه حسين في نهاية المناقشة بإبداع وموهبة عبد الرحمن بدوي ، وقال الدكتور طه حسين: هذا هو أول فيلسوف مصري.

عين عبد الرحمن بدوي مدرسا بقسم الفلسفة في أبريل ١٩٤٥ ثم أستاذا مساعدا في ١٩٤٩ ، وفي ١٩ سبتمبر ١٩٥٠ أنشأ قسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة إبراهيم باشا عين شمس حاليا، وفي يناير ١٩٥٩ أصبح أستاذ كرسى .
عمل مستشارا ثقافيا ومدير البعثة التعليمية في برن بسويسرا من مارس ١٩٥٦ إلى نوفمبر ١٩٥٨ كما أسس قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعات الكويت وطهران وطرابلس.

كما عمل كأستاذ زائر في العديد من الجامعات العربية والأوربية واستقر في نهاية الأمر في باريس حتى قبيل وفاته كان بدوي عضوا في حزب مصر الفتاة، وتم اختياره ممثلا للحزب الوطني مع ٥٠ شخصية في لجنة الدستور التي كلفت في يناير ١٩٥٣ لكتابة دستور جديد هو دستور 54 والذي استبدل بدستور ١٩٥٦.
نشر بدوي الكثير من الكتب والدراسات باللغة العربية وباللغات الفرنسية والألمانية والانجليزية . ونال بدوي وسام الأرز من لبنان عام ١٩٤٩ وجائزة الدولة التشجيعية في الفلسفة الإسلامية عام ١٩٦١ وكان أول من حصل على جائزةالنيل في العلوم الاجتماعية.

عبد الرحمن بدوي .. رحلة فيلسوف من الوجودية إلى الإسلام
عبد الرحمن بدوي .. رحلة فيلسوف من الوجودية إلى الإسلام

وفاة عبد الرحمن بدوي

قبل وفاته بشهور أربعة أصيب بوعكة صحية حادة وسقط مغشيا عليه في أحد شوارع باريس واتصل مسؤولو فندق لوتيسيا بالقنصلية المصرية وأبلغوهم بأن لديهم شخص مريض يقول إنه فيلسوف مصر، وعاد إلى مصر ليتلقى العلاج في معهد ناصر إلى أن توفي يوم ٢٥ يوليو ٢٠٠٢.

مؤلفات عبد الرحمن بدوي

يصف الدكتور حسن حنفي أستاذ الفلسفة الإنتاج الفكري الضخم لأستاذه عبدالرحمن بدوي كالآتي:

أولا المبتكرات: وهي الكتب الأصغر حجما والأهم كيفا وتجمع بين الفلسفة والشعر واليوميات.
ثانيا الدراسات: وتضم خلاصة الفكر الأوربي ، وتشمل الدراسات الفلسفية والمنطق والشعر وتشمل خلاصة الفكر الأوروبي ودراسة أعلام الفلسفة الحديثة مثل نيتشه وشبنجلر وشوبنهور وشلنج أو الفلسفة اليونانية مثل أفلاطون وأرسطو وغيرهما .
ثالثا: الدراسات الإسلامية: والترجمات والموسوعات، وبخاصة موسوعة الفلسفة في جزئين وموسوعة المستشرقين .

ترك عبد الرحمن بدوي تراثا فكريا ضخما، ومن مؤلفاته على سبيل المثال لا الحصر :
نيتشه 1939، التراث اليوناني في الحضارة الاسلامية عام 1940، اشبنجلر 1941، شوبنهور 1942، افلاطون 1942، خريف الفكر اليوناني 1943، ربيع الفكر اليونانى1943 ، الموت والعبقرية 1945،

الزمان الوجودي 1945، من تاريخ الإلحاد في الإسلام 1945 أرسطو عند العرب 1947، الإنسانية والوجودية في الفكر العربي 1947، شخصيات قلقة في الإسلام 1947 رابعة العدوية 1948، شطحات الصوفية 1949، منطق أرسطو 1949، روح الحضارة العربية 1949، الإشارات الالهية 1950، الحكمة الخالدة 1952، فن الشعر لأرسطو 1953، البرهان لابن سينا 1954، عيون الحكمة لابن سيناء 1954، الأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام 1955، أفلاطون عندالعرب 1955، مختار الحكم ومحاسن الكلم 1958..

عبد الرحمن بدوي .. رحلة فيلسوف من الوجودية إلى الإسلام
عبد الرحمن بدوي .. رحلة فيلسوف من الوجودية إلى الإسلام

– ومن كتبه ايضا: الحور والنور (ديوان شعر ) 1951 ،الوجود والعدم 1965، المثالية الألمانية 1965 فن الشعر لابن سينا 1965، الوجود والعدم – سارتر 1966، ابن عربي 1967، مذاهب الإسلاميين 1971 تاريخ التصوف الإسلامي 1975، الأخلاق عند كانط 1977، حياة هيجل1980 ،دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي1979، ودفاع عن القرآن ضد منتقديه 1989، ودفاع عن محمد صلى الله عليه وسلم ضد المنتقصين من قدره 1990، وترجمة السيرة النبوية إلى الفرنسية، سيرة حياتي جزء 1، جزء 2 2000، … وغيرها.

توجهاته واهتماماته الفكرية والعلمية والعملية

كيف يكون المدخل إلى رجل لا يقبل التصنيف؟، وماالسبيل أو بالأحرى: كيف تكون المداخل إلى ظاهرة تنكرلها جيل بعد جيل من الأميين، وعجز من أدركها عن إضاءة معالمها؟ ..هكذا يقول الدكتور أنور عبدالملك عن أستاذه الدكتور عبدالرحمن بدوي.

لم يكن عبدالرحمن بدوي فيلسوفاً بالمعنى المعروف للكلمة رغم إنجازه عدة كتب عن الوجودية منها كتابه عن الزمان الوجودي الذي نال به الدكتوراه من الجامعة المصرية فآخر فيلسوف عرفه العرب في تاريخهم كان ابن رشد، قبل ثمانية قرون.

ولكن بدوي كان يقول عن نفسه انه فيلسوف وقد أدرج اسمه في عداد الفلاسفة في موسوعته عن الفلسفة وخصص لنفسه ٢٥ صفحة من هذه الموسوعة شرح فيها فلسفته.. ولكن بدوي وإن لم يكن فيلسوفاً فقد كان باحثاً كبيراً في الفلسفة وفي الفكر، موزعاً على فروع معرفية كثيرة تجعل منه نوعاً من موسوعة لا غنى للمثقف العربي من العودة إليها لينهل منها الكثير.

قدم بدوي في عام 1945 أطروحته في جامعة القاهرة للحصول على الدكتوراه عن الزمان الوجودي وبذلك أسهم في تكوين تيار وجودي عربي، وتمتاز وجوديته عن وجودية هيدجر الألماني وغيره عن الوجوديين بالنزعة الدينامية التي تجعل للفعل الأولوية على الفكر، وفي المقال الذي كتبه بدوي عن نفسه في الموسوعة الفلسفية التي وضعها يقول:
لقد أحاط علما بكل تاريخ الفلسفة وتعمق إلى حد ما في مذاهب الفلاسفة المختلفين والألمان منهم بخاصة لكن أقوى تأثير في تطوره الفلسفي إنما يرجع إلى اثنين هيدجر ونيتشه.
وكان يقول إنه ينتمي إلى هيدجر أبرز فيلسوف وجودي ألماني في العصر الحديث. ولكنه نقل إلى العربية كتاب سارتر المشهور الوجود والعدم .

عبد الرحمن بدوي .. رحلة فيلسوف من الوجودية إلى الإسلام
عبد الرحمن بدوي .. رحلة فيلسوف من الوجودية إلى الإسلام

حاول عبد الرحمن بدوي أن ينقل الفكر الغربي إلى الشرق، كما عمل على نقل تراث العرب والمسلمين في الفلسفة والفكر والعلوم على أنواعها إلى القارئ الغربي. ولأنه كان يتقن عدة لغات أجنبية فقد كانت طريقه ممهدة للوصول إلى قلب الغربيين وعقولهم. وقد كانت له زيارات شبه دورية إلى عدة عواصم أوروبية مثل باريس وروما وبرلين وامستردام بل عاش جل حياته في باريس .

سلك عبدالرحمن بدوي في توجهه الأوروبي هذا مسلك رجال عصر النهضة العربية ومنهم رفاعة الطهطاوي وطه حسين. فقد اعتبر هؤلاء، كما اعتبر بدوي أن لا مانع من أن تسعى الأمم إلى الاستفادة من قوة وعلم الأمم الأخرى وهذا هو عين ما فعله الأوروبون عندما سعوا إلى سرقسطة وبقية حواضر الأندلس لاقتباس أسرار النهضة والتقدم من العرب والمسلمين .
لم يكن بدوي في واقع أمره مجرد تابع للفكر الغربي فكثيراً ما واجه الغربيين وخالفهم في أمور مختلفة.

 

ومن الطريف الإشارة إلى انه بدأ باكراً هذا المنحى في حياته الفكرية. ففي سيرته يشيد إشادة بالغة بأستاذه العالم الكبير لا لاند لأنه الذي بث النزعة العقلية في تفكيره ووجه عنايته إلى مناهج البحث العلمي. ولكنه يروي أنه اعترض على رأي أبداه لالاند في كتابه نظريات الاستقراء والتجريب مفاده أن ديكارت كان من أنصار المذهب التجريبي، اعترض بدوي على هذا الرأي استنادا إلى نصوص لديكارت نفسه مؤداها أنه كان يستطيع ان يكتشف اكتشافاته في الفيزياء دون اللجوء إلى أي تجربة ، انشرح صدر لالاند لهذا الاعتراض وكتب تعليقاً يقول فيه: أنت على صواب في اعتراضك هذا، وإن في كتابي في هذا الموضع سوء تحرير وسأعمل على تصحيحه في الطبعة القادمة.

يؤكد الدكتور حسن حنفي على حقيقة مفادها أن المشروع البحثي لعبد الرحمن بدوي الفيلسوف الشامل كما كان يطلق عليه في بدايته كان متشعب الاتجاهات بين التأليف والترجمة والتحقيق والإعداد، أو بينها جميعاً، وظل متحركاً في كل هذه الاتجاهات، طموحاً للغاية أكثر مما تتسع له حياة فرد واحد. ولكن هذه هي طبيعة المشاريع الفكرية الكبرى، مسار حياة يكشف عن بنية عمل، قصد كلي يتحقق في مقاصد جزئية.

مشروع عبد الرحمن بدوي

ويعد مشروع عبد الرحمن بدوي فيما يبدو التمهيد لأجيال قادمة من دارسي الفلسفة، وإعداد الخريطة العامة للفكر البشري لهم، بانوراما عريضة، يرون فيها الروح البشري وهو يعي ذاته بالفكر، يؤسس الميادين، ويفتح المجالات، ويضع الأسس، ويطرق المجهول، ويسهل الصعب، ويجلب النادر، ويفتح الأبواب لأجيال قادمة للدخول.

والفيلسوف الشامل عبد الرحمن بدوي كما يطلق عليه الدكتور حسن حنفي نقطة التقاء بين الشرق والغرب، كما هو الحال عند كل مفكري النهضة العربية، يقرأ (الأنا) في مرآة (الآخر)، ويرى (الآخر) في مرآة (الآنا) فالواقع له عينان، عين الماضي وعين المستقبل، وله رئتان، رئة تتنفس بتراث القدماء، ورئة تتنفس بتراث المحدثين، وهي أبعاد الزمن الثلاثة، فالواقع هو الحاضر، وتراث القدماء هو الماضي، وتراث المحدثين هو المستقبل.

عبد الرحمن بدوي والعودة إلى الإسلام

خصص عبد الرحمن بدوي الفترة الاخيرة من اانتاجه الفكري والفلسفي للدفاع عن الاسلام ضد الحملات المغرضة والمسعورة في الغرب، وقد صدر أول كتاب في هذه المرحلة عام 1989 بعنوان دفاع عن القرآن ضد منتقديه وكنا من الذين أشادوا بهذا الكتاب فور ترجمته إلى العربية وكتبنا عنه في مجلة العربي الكويتية في عدد مارس سنة 2000 ، وتكمن أهمية الكتاب في أن الدكتور بدوي كان يجيد لغات أجنبية متعددة مكنته من البحث والاستقصاء، وخصوصاً في مصادر العصور القديمة والعصور الوسطي وآدابهما ووثائقهما التي تتوافر فقط في المكتبات الأوروبية الشهيرة، حيث قضي غالبية عمره بفرنسا والتي اطلع عليها كلها، فتمكن من معرفة لغة القوم الذين حاربوا القرآن منذ القرن الثامن الميلادي وحتى القرن العشرين. ما قدمه في هذا الكتاب لا تستطيع أن تقدمه نخبة متخصصة من جامعة عالمية أو عدة جامعات.

يقول بدوي : القرآن، وكونه الاساس الجوهري للاسلام كان هدفا رئيسا لهجوم كل من كتب ضده في الشرق مثلما في الغرب وذلك منذ النصف الثاني للقرن الأول الهجري/ السابع الميلادي وحتى الآن.
ويضيف قائلا: من أجل ذلك تصدينا في كتابنا هذا لفضح هذه الجرأة الجهولة عند هؤلاء المستشرقين حول القرآن وأستطيع أن ألخص سبب التردي الذي وقع فيه هؤلاء المستشرقين بالتالي:

  • أولا: جهلهم باللغة العربية.
  • ثانيا :ضحالة ونقص معلوماتهم عن المصادر العربية،
  • ثالثا: سيطرة الحقد على الاسلام الذي ورثوه ورضعوه منذ طفولتهم على عقولهم وتسببه في عماء بصيرتهم،
  • رابعا: نقل المستشرقين الأكاذيب حول القرآن والاسلام بعضهم عن بعض وتأكيدهم لها.

ويقول عبدالرحمن بدوي: هدفنا كشف القناع عن العلماء الكاذبين الذين قدموا الضلال والتزوير لشعب أوروبا ولغيره من الشعوب، وبإبراز الحقيقة الواضحة يحرز القرآن النصر على منتقديه.

يبدأ بدوي كتابه بشرح مفهوم لفظ أمي، المتعلق بالنبي عليه السلام، فيفند آراء المفسرين المسلمين والمستشرقين القدامى والمحدثين ويخلص إلى تفسيره، فيقول: كلمة أمي مشتقة من كلمة أمم وهي جمع أمة، ومعناها: عالمي، صالح أو موجه لكل الأمم. فالنبي الأمي إذن هو نبي بعث إلى كل الأمم. النبي العالمي إن صح التعبير. أما الجمع أميون والذي ورد أربع مرات في القرآن، فتفسيره شعوب مختلف الأمم أو مجملها.
ثم يتطرق إلى تفنيد التشابه بين القرآن والكتاب المقدس والذي دأب على استخدامه غالبية المستشرقين القدامى والمحدثين منهم.

يقول الدكتور بدوي: بحث المستشرقون على مدي قرون متتالية عن وجود تشابه بين القرآن والكتب المقدسة الأخرى، وراحوا يفتشون في النصوص القرآنية لعلهم يجدون بصمات يستدلون منها على احتمال تأثر النصوص القرآنية بالإنجيل أو التلمود، وتبلورت هذه النزعة في القرن التاسع عشر، حيث اتخذ البحث والدراسة منحني علميا في الظاهر، فنشرت عدة مؤلفات حول هذه المسألة.

كما قام الدكتور بدوي بشرح تفصيلي شامل لكل هذه المؤلفات من الكتب ذات النزعة اليهودية، والأخرى ذات النزعة المسيحية، وخلص إلى أن كل هذه المؤلفات تهدف في المقام الأول الي إرجاع أصل القرآن إلى نصوص أخري في الكتب المقدسة. وأن المستشرقين اتبعوا منهجا عاما مفاده أن محمد عليه السلام، الذي يتهمونه بتأليف القرآن، قد استقي واستعار من الكتب المقدسة وشبه المقدسة واليهودية أغلب القصص والصور المجازية والأمثال والحكم.

ويدحض الدكتور بدوي تلك الادعاءات السخيفة باستنتاج رائع: طبقا لهذه المزاعم يفترض إذن في محمد عليه السلام، إتقانه للغة العبرية والسريانية واليونانية. كما يفترض أيضاً أنه قد امتلك مكتبة ضخمة تضمنت نصوص التلمود، ومختلف الأناجيل، ومختلف كتب الصلوات وقرارات المجالس، وكذلك بعض أعمال الأدباء اليونانيين ومختلف الكنائس والمذاهب المسيحية.

ومما لا شك فيه أن هذه الافتراضات التي تطرحها ضمنيا كتب هؤلاء المستشرقين غير معقولة، فحياة النبي محمد عليه السلام معروفة قبل الدعوة مثلما هي معروفة بعدها لدى الجميع، على الأقل في جوانبها الخارجية، فلم يرد قط لدى المعاصرين أو القدامى على حد سواء أن النبي محمد عليه السلام قد امتلك مكتبة ما أو أتقن لغة أخري غير العربية.

ومما يلفت النظر كذلك في كتب هؤلاء المستشرقين هو إصرارهم على النظر للقرآن كنص مسروق كلما وجدوا فيه حقيقة معرفية تضمنتها الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية.

وكأن على القرآن، حتى لا يقذف بتهمة السرقة أن يحمل في طياته حقائق مخالفة للعلم وللعقول!! وكلما عثر هؤلاء المستشرقون في القرآن على كلمة مشابهة لكلمة أخري وردت في الكتاب المقدس سارعوا إلى استنتاجات كلها خاطئة في أساسها، وإني أتساءل كيف استطاعوا، وهم الذين يدعون العلم أن يوقعوا أنفسهم في مثل هذه السخافات.

ويقوم الدكتور بدوي بعقد مقارنات عديدة بين النصوص القرآنية والنصوص التي يستخدمها المستشرقون ويدعون من خلالها أن القرآن أخذها منها، ويتساءل بعد وضعه النص القرآني في مقابلة ومقارنة تلك النصوص، ويخلص إلى أنه لا يوجد أي قاسم مشترك أو تشابه قط رغم ادعاء هؤلاء المستشرقين ومجهوداتهم الجبارة لإثبات مزاعمهم، ومحاولاتهم المتكررة أن القرآن ما هو إلا نسخة مزورة من الكتاب المقدس. يخلص الدكتور بدوي قوله:.. لقد أظهر المستشرقون عبقرية مزيفة في إثبات فرضية خاطئة في أساسها… وأن موقف هؤلاء الباحثين ما هو إلا نتيجة منطقية لتحيزهم وبحثهم المسعور عن بصمات عبرية ويهودية في القرآن.

وقد أفرد الدكتور بدوي فصلاً كاملاً ضد ادعاءات المستشرقين الذين ركزوا على أن أصل الكثير من الكلمات الواردة في القرآن لها جذور عبرية، واستطاع أن يبين بالأدلة كذب تلك الادعاءات، من هذه الكلمات: حطة، المعتكفات، أمر، بركة، تبارك، بهيمة، مثاني، خلاف، رب العالمين، سكينة، صدقة، عزر، قيوم، كفارة، ماعون، منهاج، جبار، رباني، سفك الدماء، قدوس، سورة، نبوة، بغير، عبادة، بور، صديق، جنات عدن، عليون، تزكى.

ويبين الدكتور بدوي أن ادعاءات المستشرقين بأن هذه الكلمات ذات أصول عبرية خاطئة وغير صحيحة. إضافة إلى ذلك فإنه أفرد فصلا كاملا لمعني كلمة فرقان والتي ذكرت في القرآن ست مرات، وتناولها المستشرقون بالبحث والتنقيب وأن أصولها عبرية وسيريانية تعني بوركانا أو الإنقاذ، وقد استدل الدكتور بدوي بالتفسيرات الإسلامية والمعاجم اللغوية لدحض مزاعم المستشرقين في هذا الصدد.

واستناداً على كل ما ذكر بشأن تلك الكلمة فسر الدكتور بدوي كلمة فرقان: إن فرقان مصدر الفعل فرق والذي معناه التمييز بين الخير والشر، وبين المشروع واللامشروع. وبالقياس نجد أن كلمة فرقان تدل على معيار التمييز بين الخير والشر. ولنطبق إذن هذا التفسير على الآيات الست التي وردت فيها الكلمة:

أولاً: في الآيات 53 من سورة البقرة، والآية 48 من سورة الأنبياء، تدل كلمة فرقان على التمييز بين الخير والشر، وبين الحلال والحرام.
ثانياً: إن المراد من كلمة فرقان في الآية 4 من سورة آل عمران والآية 1 من سورة الفرقان هو القرآن.
ثالثاً: والمقصود منها في الآية 185 من سورة البقرة، والآية 41 من سورة الأنفال التمييز بين الخير والشر، وبين الحق والباطل في الدين.

وبالتالي نرفض أن يعطي لهذه الكلمة تفسيرا من نوع الإنقاذ أو ما يعادلها باللغات الأخرى.
ورد الدكتور بدوي على مزاعم المستشرق اليهودي ديفيد صموئيل مرجليوث، والذي اعتنق المسيحية في أواخر عمره، والذي وصفه الدكتور بدوي بأنه: جند نفسه طول حياته عدوا عتيدا ضد الإسلام، ودفعه تعصبه العنيف إلى عرض المزاعم شديدة الغرابة لم يكن القصد منها سوي الهجوم على الرسول محمد عليه السلام والحط من رسالته.

فند الدكتور بدوي كل المزاعم شديدة الجهالة التي تميزت بها آراء مارجليوث وكتاباته الموثقة ومنها: أن كلمة مسلم كانت تطلق سابقا على مريدي مسيلمة الذي ادعي النبوة والمعروف باسم مسيلمة الكذاب. يقول الدكتور بدوي عن ذلك: أتساءل كيف وقع مرجليوث وهو في سن الخامسة والأربعين في هذا الخطأ الفاضح؟ ألم يسبق له أن قرأ القرآن أو السيرة أو أي كتاب عن تاريخ الإسلام، وكيف يشتق اسم الفاعل مسيلمة من اسم مسلم؟، فلو كانت لديه أدني معرفة باللغة العربية لتنبه إلى أن النسبة إلى مسيلمة تكون مسيلمياً لا مسلماً، لكن للأسف فإن تعصبه أدي إلى عمي بصيرته.
يدعي مرجليوث أن طقوس الصلاة الإسلامية مرتبطة بطقوس الحرب. وإن لم يكن المسلمون بحاجة إليها لولا أن أقامها المقاتلون وقت الحرب.. ويستنتج أن الفاتحة التي تتلى أثناء الصلوات سابقة للهجرة حيث إن محمد لم يكون جيشا إلا وهو في المدينة.

كما يعلق الدكتور بدوي على ذلك بأن هذا الادعاء في الحقيقة مثيرة للضحك، وأنه ادعاء صبياني وسخيف، لأنه يؤكد أن الصلاة فرضت على المسلمين كعمل عسكري، وهذا ما لا يقبله العقل، وسخيف لأن القول بأن سورة الفاتحة سورة مدنية مؤداه أن محمد عليه السلام وأتباعه لم يكونوا يؤدون الصلاة قبل ذلك، مع أن الكتب والأحاديث الصحاح تؤكد أن الصلاة غير جائزة دون الفاتحة التي هي أم الكتاب. وعلى هذا النهج يستمر مرجليوث في ادعاءاته الخاطئة فهو يرى أن صيام شهر رمضان تدريب عسكري. وكذلك تحريم الخمور مرتبط أيضاً بالانضباط العسكري.

وفيما يخص المحرم من الطعام يدعي مرجليوث أن محمد بدلا من أن يضع نظاما للطعام المحرم، لجأ إلى استبقاء الحد الأدنى مما أقره مجمع القدس والمنصوص عليه في الإصحاح 15 مع تحريم لحم الخنزير.
وتكمن قيمة الكتاب في أنه يقدم معرفة أصيلة ومؤصلة، ويفتح أبواباً جديدة ويرسم خريطة لتلك الأبواب، ويقدم أبحاثاً رائدة لا بد أن تكمل.

أما كتابه دفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ضد المنتقصين من قدره فيعبر بدوي عن مدى خيبة الأمل التي اكتشفها في بعض المستشرقين ومدى الصدمة التي صدمها حيال من كان يكن لهم الاحترام الكبير فيما سبق أن كتبوه فقد اكتشف سذاجة معلوماتهم عن الإسلام وجهلهم المطبق عن نبي الإسلام وعن التاريخ الإسلامي عموما وتعصبهم المقيت وتحاملهم الشديد.

ولقد صرح الدكتور بدوي في مقدمته بأنه بعد ان درس هذا الكم الهائل من الكتابات الزائفة التي كتبها المستشرقون عن الإسلام ونبيه وبعد ان اكتشف له هذا الزيف والتضليل المتعمد والمتحامل قام بتأليف هذا الكتاب عن نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم .

خاتمة

يذكر الدكتور أنور عبدالملك وهو ممن تتلمذوا على يد الدكتور عبدالرحمن بدوي حتى مرحلة الدراسات العليا، ثلاثة دروس أساس تعلمتها الاجيال من الأستاذ أولها خصوصية الاستاذية لمن يتصدى إلى هذا المقام، فقد كان همه الأول ان يمنح طلابه أرقى مستوى من المعارف الفلسفية والعلمية.

وكأنه رئيس أركان حرب لجيل جديد يعده للوطن، وكان أسلوب التدريس هو الإملاء دون مذكرات ومن ناحية أخرى، فتح النقاش من أوسع الأبواب في كل محاضرة ولمدة 20 دقيقة، ثم جلسات يومية تمتد نصف ساعة أو ساعة كاملة في مكتبه بعد المحاضرات مع من سيأتيه من طلابه للنقاش أو السؤال أو الاشتباك الفكري.

أما الدرس الثاني فإنه يصب في جوهر وقلب الحركة الوطنية من أوسع الابواب فقد كانت أولوية توجيه الأستاذ لطلابه في معرفة الفكر والمجتمع المصري والعربي والأفريقي والشرقي أولا. ويذكر أنور عبدالملك في هذا السياق أنه بعد تخرجه من قسم الفلسفة جامعة عين شمس عام 1954 ذهب إلى أستاذه ليعرض عليه موضوع رسالة الماجستير وكان أنور عبدالملك قد اتجه إلى دراسة فلسفة التاريخ عند هيجل، فرفض الأستاذ بعنف متسائلا عما سيضيفه تلميذه إلى سيل المؤلفات حول هيجل وفلسفة التاريخ لديه وأضاف بانه يتشكك في جدوى هذه الدراسة بالنسبة لشباب المفكرين المصريين، مؤكدا بإصرار بالغ التشدد ان الواجب يقضي ان ينكب الجيل الجديد من مفكري مصر على دراسة الفكر المصري في اطاره الحضاري المتخصص والا فمن سيقوم بهذه المهمة؟.

أما الدرس الثالث الذي تعلمته الأجيال من عبدالرحمن بدوي كما يذكر أنور عبدالملك فهو الريادة الأخلاقية ونزاهة المواقف التي تنأى بصاحبها عن الغرض والهوى.

ويقول محمود أمين العالم: الدكتور عبد الرحمن بدوي هو استاذي العزيز. قد اختلف او أتفق معه لكني لا أنكر عليه أنه صاحب أكبر مكتبة سواء فيما يتعلق بتراثنا العربي القديم أو التراث الأوروبي الحديث فضلاً عن دراساته الابداعية في الشعر أو ما يشبه الرواية الى جانب أبحاثه البالغة الأهمية أخيراً عن الاسلام فهو صاحب 200 كتاب كلها كتب عميقة سواء المؤلفة أو المترجمة منها. ولايستطيع الانسان أن يبحث في تاريخ الفكر الوجودي في الفكر العربي إلا أن يتبينه فيه رائداً لهذا الفكر وباحثاً في جذوره العربية خاصة في مجال التصوف ومضيفاً اليه ابداعات قيمة خاصة في بحثه عن الزمان الوجودي: ان عبد الرحمن بدوي قيمة رفيعة عالية ومفكر بامتياز من أندر مفكرينا العرب على وجه الاطلاق ورغم اختلافي الشديد معه من حيث الجانب الآيديولوجي الا أنني مازلت أعتبر نفسي تلميذاً صغيراً لهذا الاستاذ الكبير أحني رأسي تقديراً له. ويمتلئ قلبي بحب كبير وعميق له. أما الأديب الكبير يوسف الشاروني فيقول : في كلية الآداب زمان كان ثلاثة أساتذة متميزون في أوائل الأربعينيات هم لويس عوض وأستاذ علم النفس يوسف مراد والدكتور عبد الرحمن بدوي وكنا نحن التلامذة الدكتور مصطفى سويف ومحمود أمين العالم وأنيس منصور وبدر الديب وفتحي غانم قد أصدرنا مجلة علم النفس الشامل. وكان الدكتور عبد الرحمن بدوي استاذنا وكان يعطي محاضراته وكأنه يحفظها ويسمعها علينا. ويبدأ من حيث توقف تماماً وكان الدكتور فؤاد زكريا الذي يتميز بالخط الجميل يكتب هذه المحاضرات ويأخذها منه الدكتور عبد الرحمن في نهاية العام ليعطيها لمكتبة النهضة حيث تطبع كتاباً.

محمد سيد بركة         

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى