شخصيات أدبيهمبدعون

العهود المنقوضة: توني بلير ومأساة السلطة..

العهود المنقوضة: توني بلير ومأساة السلطة..

 

الكتاب: العهود المنقوضة: توني بلير ومأساة السلطة..

تأليف: توم بوير

الناشر: فابر اند فابر – لندن ــ 2016

الصفحات: 688 من القطع المتوسط

القطع: المتوسط

من الشخصيات البريطانية التي وصلت إلى رأس السلطة في المملكة المتحدة البريطانية، وأثارت الكثير من الجدل بعد أن غادرتها، يحتل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق «توني بلير» مكانة استثنائية. هذا ما يدل عليه بوضوح أنه لا يزال حتى اليوم رغم السنوات العديدة التي تفصلنا عن مغادرته لمقر رئاسة الحكومة البريطانية في «داونينغ ستريت» بلندن.

وسنوات «توني بلير» في السلطة وما تركه فيها وعليها من آثار هو موضوع كتاب توم بوير، الخبير بمسائل السياسة البريطانية وصحفي التحقيقات الشهير، الذي يقدّم فيه تجربة رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، وخاصّة مساره السياسي عندما كان في السلطة.

يحمل الكتاب عنوان «الوعود المنقوضة»، مما له دلالته الواضحة على مضمونه من حيث حكم القيمة الذي يصدره المؤلف على توني بلير، وعنوانه الفرعي يذهب في نفس الاتجاه ومفاده «توني بلير، مأساة السلطة».

يبدأ المؤلف بالتأكيد أن «توني بلير» كان يبالغ في وعوده وعهوده الانتحابية بحيث كان من العسير جداً الوفاء بما تفوّه به. ذلك على أساس قاعدة معروفة في الغرب، وهي أن الوعود الانتحابية لا تلزم سوى أولئك الذين تتوجه لهم. ذلك أن المهم بالنسبة لمن يصدرها هو الفوز في الانتخابات. ويشير المؤلف أن بلير أبدى براعة كبيرة في التوجّه للجمهور بقدر كبير من البساطة وبمهارة كبيرة في إقناعهم بإعطائه ثقتهم.

لكن إنجازاته في الحكم ظلّت كـ«قشرة رقيقة من الإصلاحات» وأن «الإصلاحات التي قام بها، خاصّة في فترة رئاسته الثانية للحكومة كانت خجولة جداً». و«العهود المنقوضة» التي يتعرّض المؤلف لدراستها في هذه السيرة تخصّ عدّة ميادين ليس أقلّها أهمية تلك التي تخص «التربية والصحّة والطاقة» حيث يلخّص المؤلف سياسة رئيس وزراء بريطانيا الأسبق بأن تلك العهود والوعود «لم يتم احترامها إلاّ ما ندر من الحالات».

ويشرح توم بوير على مدى العديد من الصفحات أن توني بلير، نقض أيضاً العهود والوعود التي كان قد قطعها للناخبين البريطانيين في ميادين حسّاسة مثل تلك التي تتعلّق بـ«الهجرة» وسياساتها التي ناقضت إلى حد كبير ما كان قد أعلن عنه بلير في برامجه الانتخابية. تجدر الإشارة أن مؤلف هذا الكتاب يعتمد كثيراً في رسمه لصورة توني بلير ولآليات صياغته لسياساته على مجموعة من الشهادات والمقابلات للعديد من أولئك الذين كانوا قريبين من مراكز صنع القرار البريطاني من رجال سياسة ورجال أعمال وإعلاميين وغيرهم.

ومن المآخذ الكبرى التي يؤكّد عليها مؤلف الكتاب على سياسة توني بلير وعلى طريقته لممارسة السلطة أنه «لم يكن يتعامل بوضوح وشفافية» حتى مع زملائه في الحكومة ومع كبار الموظفين الذين كانوا يتحمّلون مسؤوليات تنفيذ السياسات الحكومية المرسومة. ويصل المؤلف إلى القول إن طريقة بلير في ممارسة السلطة كانت «ذات طابع تخريبي بالنسبة للنسيج الحكومي ذاته».

والإشارة في هذا السياق أن الخلاف في التوجّه بين بلير وغوردون باون، الذي خلفه فيما بعد، زاد من حالة التشوش في الأداء الحكومي آنذاك. ولا يتردد توم بوير في التأكيد أن توني بلير تبنّى نهجاً فيه الكثير من الغموض في أسلوب عمله كرئيس للحكومة.

بل والتأكيد أنه تابع نفس النهج حتى بعد تركه لمنصبه الرسمي رئيساً للحكومة. هكذا يشير بوير أن «سعيه الدؤوب من أجل جمع المال» ولّد سلسلة من النزاعات وأشكال التداخل بين مصالحه التجارية الخاصة وبين عمل المؤسسات الخيرية التي قام بتأسيسها.

لكن تبقى «الصفعة» الكبرى التي وجهها توني بلير للبريطانيين خلال فترة رئاسته للحكومة، كما يكرر مؤلف الكتاب القول، هي أنه «أقحم البلاد ــ بريطانيا ــ في حرب العراق على خلفية خداعه للناخبين»، وبالاعتماد على معلومات لم تكن مطابقة لواقع الأمور. والإشارة إلى أنه لا يزال يتعرّض للمساءلة حتى اليوم على خلفية تلك القضيّة.

ما يتم تأكيده في هذا السياق هو أن توني بلير قام «عن وعي» بإقحام بريطانيا في الحرب العراقية. وأنه أراد «عن وعي أيضاً»، الوقوف إلى جانب مشروع جورج دبليو بوش في حربه والتخلّص من نظام صدام حسين. ويحاول مؤلف الكتاب تقديم أدلّته على ذلك من خلال الوثائق والشهادات.

ويحدد المؤلف القول إنه بعد الشروع بعملية غزو العراق تحت حجّة وجود أسلحة تدمير شامل وظهور عدم العثور عليها وواقع «حمّام الدم» الذي سال نتيجة للغزو «فقد توني بلير الكثير من رأس ماله السياسي لدى ناخبي اليسار البريطانيين». وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يكرّس القسم الأكبر منه لتوصيف «العهود المنقوضة» لبلير، يؤكّد بالمقابل أنه «يُسجّل له» عدّة إنجازات، وعلى رأسها إنجاز كبير عرفته فترته الرئاسية الأولى للحكومة.

ذلك الإنجاز هو «اتفاق السلام في إيرلندا الشمالية من قبل القوى السياسية الأساسية الأيرلندية بقبول حل سلمي ينهي العنف والنزاع المسلّح.

ومن المسائل التي يؤكّد عليها المؤلف بداية أن توني بلير يجيد، من موقع عمله لفترة طويلة في سلك المحاماة، الخطابة والتحدّث إلى جماهير الناخبين. لكنه كان يذهب «أكثر مما ينبغي» في الوعود التي يقدّمها وفي «العهود» التي يقطعها على نفسه؛ ذلك أنه كان من العسير جداً الوفاء بها.

 

 توني بلير
توني بلير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى